ابن عطاء الله السكندري
76
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
فيكون معنى الحكمة العام : أن اللّه سبحانه وتعالى خالق كل شيء ، القائل : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 ) [ الملك : 14 ] علم أننا نضجر ونسأم من تكرار العمل الواحد لذلك فرض علينا أعمالا متنوعة لكي نتجنب الوقوع في هذا الملل قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إنّ اللّه لا يمل حتى تملّوا » . وفي ذلك قيل : لا يصلح النفس إذ كانت مدبّرة * إلا التنقل من حال إلى حال قال الشيخ أحمد زروق رحمه اللّه تعالى : لونت له ( أي للعبد ) الطاعة ( أي العبادات ) لثلاثة أوجه : أحدها : رحمة به ليستريح من لون إلى لون ، والثاني : إقامة للحجة عليه إذ لا عذر له في الترك ( أي لعدم وجود الملل والسآمة ) ، والثالث : ليثبت له النسبة في العمل بوجود التخيير في الجملة فتكمل الكرامة وتسهل الطاعة ( وهذا خاص بنوافل الطاعات ) . وأيضا لمّا علم الحق تعالى من عباده وجود الشره وهو حبهم الشديد للخير والعجلة في كسبه مصداقا لقوله تعالى : وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ( 8 ) [ العاديات : 8 ] وقوله تعالى : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [ الأنبياء : 37 ] وقوله : وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا [ الإسراء : 11 ] وقوله مخاطبا نبيه : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [ طه : 114 ] ، مما سيدفعهم للسرعة المؤدية لوجود النقص في العبادة ، لأنه سيصبح همهم فعل الصلاة لا إقامة الصلاة ، منعهم من فعل بعض الطاعات في بعض الأوقات ليكون همهم إقامة الصلاة لا مجرد فعل الصلاة وإيجاد صورتها . قال الشيخ أبو العباس المرسي رحمه اللّه تعالى : « كل موضع ذكر فيه المصلون في معرض المدح ، فإنه إنما جاء لمن أقام الصلاة ، إما بلفظ الإقامة ، أو بمعنى يرجع إليها ، قال اللّه سبحانه : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ [ البقرة : 3 ] وقال اللّه تعالى : رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [ إبراهيم : 40 ] وقال اللّه عزّ وجل : وَأَقِمِ الصَّلاةَ [ هود : 114 ] وقوله وَإِقامَ الصَّلاةِ [ الأنبياء : 73 ] وقوله : وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ [ الحجّ : 35 ] . ولما ذكر اللّه تعالى المصلين بالغفلة قال : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ( 4 ) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ( 5 ) [ الماعون : الآيتان 4 ، 5 ] ولم يقل فويل للمقيمين الصلاة الذين هم عن صلاتهم ساهون » . يتبين لنا مما تقدم أن على المسلم أن يكون همه إقامة الطاعة ، بحفظ أركانها وسننها والخشوع فيها والحضور مع اللّه فيها ، لا مجرد فعلها ليجد ثمرتها في روحه وقلبه ونفسه وسلوكه ، قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة