ابن عطاء الله السكندري
73
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
وبعد بيان معنى الهوى ، أبدأ بشرح الحكمة فأقول : إنه لا يخاف على المسلم أن تلتبس عليه الطرق التي توصله إلى اللّه تعالى ورضوانه ، لأن اللّه تعالى قال : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [ المائدة : 3 ] . وقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي » وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم أيضا : « تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ بعدي عنها إلا هالك » . فبما أن طريق الهدى واضح وهو كتاب اللّه تعالى وسنة نبيه ومن اتبعهما لن يضل أبدا ، لم يبق إلا أن يخاف على المسلم أن يغلبه هواه فيتبعه فيضل عن الصراط المستقيم ، وضلاله من وجهين : إما أن هواه سيدفعه إلى الانغماس في شهوات الدنيا ومستلذاتها فتفسد نفسه ويقسو قلبه ويسوء عمله ، وإما أن يدفعه إلى البدع والاعتقادات الباطلة فيزيغ عقله ويضعف إيمانه ويتلاشى فيخسر آخرته التي فيها حياته الأبدية . قال اللّه تعالى : وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [ الأنعام : 119 ] ، وقال اللّه تعالى : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [ القصص : 50 ] ، وقال اللّه تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ [ الجاثية : 23 ] قال سيدنا علي رضي اللّه تعالى عنه وكرّم وجهه : « أخاف عليكم اثنين : اتباع الهوى وطول الأمل ، فإن اتباع الهوى يصد عن الحق وطول الأمل ينسي الآخرة » وقال الحسن البصري وهو من كبار التابعين : « أفضل الجهاد ، جهاد الهوى » . إن اتباع الهوى يؤدي إلى فساد الفرد والمجتمع بل والعالم مصداقا لقوله تعالى : وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [ المؤمنون : 71 ] . فعليك أخي المسلم أن تخالف هواك وتجعله يسير تبعا لما جاء به سيدنا محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم لتفوز بجنة ربك ، قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به » وقال اللّه تعالى : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( 41 ) [ النّازعات : الآيتان 40 ، 41 ] . الحكمة العشرون « 1 » : « أمرك في هذه الدّار بالنّظر في مكوّناته وسيكشف لك في تلك الدّار عن كمال ذاته » .
--> ( 1 ) ورقمها ( 116 ) في النص الكامل للحكم .