ابن عطاء الله السكندري
74
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
شرح الحكمة : قبل الشروع في شرح الحكمة وذكر المقصود منها أوضح نصها فأقول : أمرك ( أي اللّه تعالى ) في هذه الدار ( أي الدنيا ) بالنظر ( أي بالتفكر والاعتبار ) في مكوناته ( أي مخلوقاته ) وسيكشف لك ( أيها المسلم ) في تلك الدار ( أي الآخرة ) عن كمال ذاته ( أي عنها وذلك بشهودها مصداقا لقوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة : 22 ، 23 ] . أبدأ في الشرح فأقول : إن غاية خلق الإنسان والعالم هي معرفة اللّه تعالى بدليل قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذّاريات : 56 ] فسّر سيدنا عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما قول اللّه تعالى : لِيَعْبُدُونِ [ الذّاريات : 56 ] ب « ليعرفون » ، ويكون الحق تعالى عبّر عن الغاية التي هي المعرفة بالوسيلة التي هي العبادة . والعبادة متنوعة منها ما هو حسي متعلق بالجوارح كأركان الإسلام ، ومنها ما هو معنوي روحي متعلق بركني الإيمان والإحسان . وهذه الحكمة تتحدث عن عبادة التفكر والاعتبار التي تتحقق من خلال النظر في الآفاق والأنفس ، وقد أمرنا اللّه تعالى بها في قوله : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ يونس : 101 ] وقوله : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [ آل عمران : 191 ] وقوله تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصّلت : 53 ] . إن النظر في المكونات والتفكر فيها يوصل إلى معرفة اللّه تعالى . قال أبو العتاهية : وفي كل شيء له آية * تدل على أنه الواحد إن الأثر يدل على المؤثر ، والصنعة تدل على الصانع ، وقال أعرابي : إن البعرة تدل على البعير ، والسير يدل على المسير ، أفأرض ذات فجاج وسماء ذات أبراج أفلا تدل على الواحد القهّار . إن نظر هذا الأعرابي في مخلوقات اللّه وتفكره فيها أوصله إلى الاعتراف بوجود اللّه تعالى الواحد القهّار . فكل جزء من أجزاء هذا العالم إما أن يدل على صفة من صفاته تعالى ، وإما أن يدل على اسم من أسمائه تعالى ، وإما أن يدل على فعل من أفعاله تعالى ، فهو بمجموعه يوصل العبد إلى معرفة وحدانية اللّه تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه . وقد أمرنا شرعا بالتفكر في خلق اللّه ولم نؤمر بالتفكر في ذاته تعالى ، لأن اللّه عزّ وجل لا يدرك من حيث الحقيقة والكنه والماهية ، قال اللّه تعالى : لا تُدْرِكُهُ