ابن عطاء الله السكندري

58

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

قال الإمام جعفر الصادق رضي اللّه تعالى عنه : « من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق ، فقيل له : وما ذاك ؟ قال : الراحة في الدنيا » وفي هذا المعنى قال الشاعر : تطلب الراحة في دار العناء * خاب من يطلب شيئا لا يكون وقال أحد الصالحين : « ملتمس السلامة في دار المتالف والمعاطب كالمتمرغ على مزاحف الحيّات ومداب العقارب » . فلا تتعجب أيها الإنسان من نزول الأكدار الدنيوية بك ، فهذا هو شأن الدنيا . قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » . فعليك أن تهيئ نفسك على توقع استقبال المحن ، وتستعين على دفع ذلك بالصبر والرضا عند وقوع القضاء . قال اللّه تعالى : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزّمر : 10 ] وقال تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [ البقرة : 45 ] وورد شعرا : وإذا تصبك مصيبة فاصبر لها * عظمت مصيبة مبتلى لا يصبر الحكمة التاسعة « 1 » : « ما توقّف مطلب أنت طالبه بربّك ، ولا تيسّر مطلب أنت طالبه بنفسك » . شرح الحكمة : إن كل إنسان يحب أن تكون أموره متيسرة متحققة الوقوع ، وهذه الحكمة تنبه المسلم على أنه إذا أراد إنجاز مطالبه وتسهيلها عليه لا بد أن يطلب قضاءها باللّه تعالى ، أي بأن يستند إلى اللّه تعالى في تيسيرها . فمن أنزل حوائجه باللّه تعالى والتجأ إليه وتوكل عليه كفاه اللّه تعالى مؤنتها وقربها إليه ويسرها عليه ، وعلامة ذلك كما يقول الشيخ أحمد زروق : « ثلاثة : التفويض في المراد ، والتوكل في التحصيل ، والاستقامة في التوجه ، فإذا تمت هذه الأشياء فالمطلب متيسر ، سواء وجد أم لم يوجد ، لأن المقصود تبريد حرقة الاحتياج ، ولا بقاء لها مع التفويض ( إلى اللّه تعالى والاعتماد والتوكل عليه ) لأن عاقبته الرضا في الوجود والعدم » . قال تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ( 3 ) [ الطلاق : 2 ، 3 ] .

--> ( 1 ) ورقمها ( 25 ) في النص الكامل للحكم .