ابن عطاء الله السكندري
59
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
فالذي يعتمد على ربه تعالى في طلبه الأشياء تتحقق له الأشياء . قال اللّه تعالى : قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 128 ) [ الأعراف : 128 ] . أما الإنسان الذي يطلب الأشياء بالاعتماد على نفسه في تحصيل مراده بأن يعتمد على عقله وقوته وتدبيره وينسى اللّه تعالى ، فإنه سيفشل في تحقيق ما أراد وقوعه وسيرى أن أموره تتعسر ، وعلامة ذلك كما يقول الشيخ أحمد زروق : « حب الموافقة - لمراده - من غير تفويض إلى اللّه تعالى ، وأن يعتمد على الأسباب من غير توكل على اللّه تعالى ، والتهور في التحصيل دون تقوى ولا استقامة ، وكلها تعود عليه بالضرر في الوجود والعدم ، فالمطلب وإن تيسر بها صورة فهو حرمان في الحقيقة ، لما فيه من نسيان الشكر ومفارقة الحق والاعتماد على الخلق » . فعلى الإنسان أن يطلب الأشياء باللّه تعالى لتتيسر ولا يطلبها بنفسه لكي لا تتوقف وتتعسر . قال الشيخ ابن عطاء اللّه في كتابه التنوير في إسقاط التدبير : « وما أدخلك اللّه فيه تولى إعانتك عليه ، وما دخلت فيه بنفسك وكلك إليه » قال تعالى : وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ( 80 ) [ الإسراء : 80 ] . الحكمة العاشرة « 1 » : « تشوّفك إلى ما بطن فيك من العيوب ، خير لك من تشوّفك إلى ما حجب عنك من الغيوب » . شرح الحكمة : نمهد لشرح الحكمة بالقول : إن الإنسان كائن صغير في حجمه كبير في حقيقته ، فهو مركب من مادة ومعنى وهما يشكلان مجموع جسم الإنسان وعقله وقلبه ونفسه وروحه ، والنفس مليئة بالعيوب بدليل قول اللّه تعالى : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] فهي تميل إلى الدنيا بشهواتها ، وهذا يدفعها إلى معصية اللّه تعالى والتخلق بالأخلاق الذميمة . وإن الروح تميل إلى عالم الملكوت فهي دائمة التشوف والتطلع إليه . فهذه الحكمة تحث المسلم على النظر فيما غاب عنه من عيوب نفسه ليتجنبها بدلا من أن يتطلع ويتشوف إلى ما خفي واستتر عنه من عالم الملكوت .
--> ( 1 ) ورقمها ( 32 ) في النص الكامل للحكم .