ابن عطاء الله السكندري

54

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

الحكمة الخامسة « 1 » : « اجتهادك فيما ضمن لك وتقصيرك فيما طلب منك ، دليل على انطماس البصيرة منك » . شرح الحكمة : أن الشيء الذي ضمنه اللّه تعالى لنا هو الرزق وذلك في قوله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [ هود : 6 ] وقوله تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ [ العنكبوت : 60 ] والآيات القرآنية في ذلك كثيرة . وإن الشيء الذي طلبه الحق تعالى من الخلق هو العبادة ، والآيات في ذلك كثيرة أيضا منها قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [ البقرة : 21 ] وتمام هذه الآية قوله تعالى : * وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 6 ) [ هود : 6 ] . فعلى الإنسان أن لا يبذل كل وسعه في جلب الرزق الذي كفله اللّه له ، ويترك أو يقصر في عبادة اللّه تعالى التي طلبها الحق تعالى منه ، لأنه إذا فعل ذلك يكون مطموس البصيرة . والبصيرة هي نظر القلب ، كما أن البصر هو نظر العين وبالبصيرة ينظر الإنسان إلى الأمور المعنوية كما أنه بالبصر ينظر إلى الأمور الحسية . وهذا الذي ذكرته الحكمة من انطماس البصيرة يتحقق باجتماع الأمرين : الاجتهاد في طلب الرزق المضمون والتقصير في طلب العبادة المطلوبة ، أما إذا طلب الرزق الحلال من غير تقصير في العبادة فهذا عين الحكمة . قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من بات كالا من طلب الحلال بات مغفورا له » رواه الطبراني في الأوسط . فعلى الإنسان أن يكون عاقلا حكيما ينظر ببصره إلى الدنيا فيأخذ منها ما يحتاجه في سيره إلى الآخرة التي ينظر إليها ببصيرته فيجتهد في طلبها ويجد ، قال تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ( 39 ) [ النّجم : 39 ] وقال تعالى : وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ( 4 ) [ الضّحى : 4 ] .

--> ( 1 ) ورقمها ( 5 ) في النص الكامل للحكم .