ابن عطاء الله السكندري
55
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
الحكمة السادسة « 1 » : « الأعمال صور قائمة ، وأرواحها وجود سرّ الإخلاص فيها » . شرح الحكمة : إن الأعمال المقصودة في هذه الحكمة هي العبادات المطالبين بإقامتها ، وهي نوعان : جسمانية وقلبية . شبّهتها الحكمة بالصور الحسية والمعنوية أيضا لأن الصورة هي ما يرى في النظر ويتشخص في الذهن من الكيفيات . والروح : هو السر المودع في الحيوانات ، والمراد به هنا الكمال المعتبر في الأعمال . والإخلاص : هو إفراد القلب لعبادة الرب . وسره : لبه وهو الصدق المعبّر عنه بالتبري من الحول والقوة إذ لا يتم إلا به . وعلى ذلك يكون معنى الحكمة أن الأعمال التي يفعلها الإنسان ليتقرب بها إلى اللّه تعالى سواء كانت من الفرائض أو الواجبات أو السنن أو النوافل ليست معتبرة إلا إذا قرنها صاحبها بالإخلاص . إن الأعمال كالأجساد ، وأرواحها وجود الإخلاص فيها ، فكما لا قيام للأشباح إلا بالأرواح وإلا كانت ميتة ، كذلك لا قيام للأعمال - سواء كانت بدنية أو قلبية - إلا بوجود الإخلاص فيها وإلا كانت صورا قائمة وأجسادا خاوية لا حياة فيها ولا روح . إن اللّه تعالى أمرنا أن نعبده ونحن مخلصون له لكي نستفيد من هذه العبادة ونشعر بحلاوتها وينتفي عنا الرياء المحبط للأعمال ، قال اللّه تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ [ البيّنة : 5 ] ، وقال تعالى : قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( 11 ) [ الزّمر : 11 ] ، وقال تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( 2 ) [ الزّمر : 2 ] . والإخلاص ينقسم إلى ثلاثة أقسام : إخلاص مقام الإسلام ، وهو إخلاص العوام الذين يطلبون الحظوظ الدنيوية والأخروية . وإخلاص مقام الإيمان ، وهو إخلاص المتقين ، وأعمالهم من أجل الحظوظ والسعادة الآخروية فقط ، وهي خالية عن الرياء الجلي . وإخلاص مقام الإحسان ، وهو إخلاص المحبين والمقربين ، وأعمالهم خالصة من الرياء الجلي والخفي ، وهي للّه تعالى إجلالا وتعظيما وعبودية دون طمع في جنة أو خوف من نار كما قالت السيدة رابعة العدوية :
--> ( 1 ) ورقمها ( 10 ) في النص الكامل للحكم .