ابن عطاء الله السكندري

51

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

ظهوره به على صورة الإنسان ، وبهذا يسميه أهل اللّه الإنسان الكبير ، وتسمى مختصره الإنسان الصغير لأنه موجود أودع اللّه فيه حقائق العالم الكبير كلها ، فخرج على صورة العالم مع صغر جرمه ، والعالم على صورة الحق ، فالإنسان على صورة الحق وهو قوله : « إنّ اللّه خلق آدم على صورته » . . . فالإنسان عالم صغير والعالم إنسان كبير ، ثم انفتحت في العالم صور الأشكال من الأفلاك والعناصر والمولدات فكان الإنسان آخر مولد في العالم أوجده اللّه جامعا لحقائق العالم كله وجعله خليفة فيه فأعطاه قوّة كل صورة موجودة في العالم ، فذلك الجوهر الهبائيّ المنصبغ بالنور وهو البسيط ، وظهور صور العالم فيه هو الوسيط ، والإنسان الكامل هو الوجيز ، قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [ فصلت : 53 ] ليعلموا أن الإنسان عالم وجيز من العالم يحوي على الآيات التي في العالم فأوّل ما يكشف لصاحب الخلوة آيات العالم قبل آيات نفسه لأن العالم قبله كما قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ [ فصلت : 53 ] ثم بعد هذا يريه الآيات التي أبصرها في العالم في نفسه . . . فأبانت له رؤية تلك الآيات التي في الآفاق وفي نفسه أنه الحق لا غيره وتبين له ذلك ، فالآيات هي الدلالات له على أنه الحق الظاهر في مظاهر أعيان العالم ، فلا يطلب على أمر آخر صاحب هذه الخلوة ، فإنه ما ثم جملة واحدة ، ولهذا تمّم تعالى في التعريف فقال : أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أعيان العالم شَهِيدٌ [ فصلت : 53 ] على التجلي فيه والظهور ، وليس في قوّة العالم أن يدفع عن نفسه هذا الظاهر فيه ولا أن لا يكون مظهرا وهو المعبر عنه بالإمكان ، فلو لم يكن حقيقة العالم الإمكان لما قبل النور وهو ظهور الحق فيه الذي تبين له بالآيات ، ثم تمّم وقال : إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من العالم مُحِيطٌ [ فصلت : 54 ] والإحطاة بالشيء تستر ذلك الشيء فيكون الظاهر المحيط لا ذلك الشيء ، فإن الإحاطة به تمنع من ظهوره فصار ذلك الشيء وهو العالم في المحيط كالروح للجسم ، والمحيط كالجسم للروح الواحد شهادة وهو المحيط الظاهر والآخر غيب وهو المستور بهذه الإحاطة وهو عين العالم . . . ثم إنه لما انصبغ بالنور كان في خلوة بربه ، وبقي في تلك الخلوة إلى الأبد لا يتقيد بالزمان لا بأربعين يوما ولا بغير ذلك ، فالعارف إذا عرف ما ذكرناه عرف أنه في خلوة بربه لا بنفسه ومع ربه لا مع نفسه . . .