ابن عطاء الله السكندري

52

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

فالخلوة من المقامات المستصحبة دنيا وآخرة إلى الأبد من حصلت له لا تزول فإنه لا أثر بعد عين . . . قال بعضهم لصاحب خلوة : اذكرني عند ربك في خلوتك ، فقال له : إذا ذكرتك فلست معه في خلوة . ومن هنا تعرف قوله تعالى : « أنا جليس من ذكرني » فإنه لا يذكره حتى يحضر المذكور في نفسه إن كان المذكور ذا صورة في اعتقاده أحضره في خياله ، وإن كان من غير عالم الصور أو لا صورة له أحضرته القوّة الذاكرة ، فإن القوّة الذاكرة من الإنسان تضبط المعاني ، والقوّة المتخيلة تضبط المثل التي أعطتها الحواس أو ما تركبه القوّة المصوّرة من الأشكال الغريبة التي استفادت جزئياتها من الحس لا بدّ من ذلك ليس لها تصرّف إلّا به ، فمن شرط الخلوة في هذا الطريق الذكر النفسي لا الذكر اللفظيّ ، فأوّل خلوته الذكر الخياليّ وهو تصوّر لفظة الذكر من كونه مركبا من حروف رقمية ولفظية يمسكها الخيال سمعا أو رؤية فيذكر بها من غير أن يرتقي إلى الذكر المعنويّ الذي لا صورة له وهو ذكر القلب ، ومن الذكر القلبيّ ينقدح له المطلوب والزيادة من العلوم ، وبذلك العلم الذي انقدح له يعرف ما المراد بصور المثل إذا أقيمت له ، وأنشأها الحسّ في خياله في نوم ويقظة وغيبة وفناء ، فيعلم ما رأى وهو علم التعبير للرؤيا » . ويتابع الشيخ الأكبر رحمه اللّه تعالى حديثه عن الخلوة وأسرارها إلى أن يذكر لنا بعض أصناف السالكين الذين يدخلون الخلوة مبيّنا الأسباب التي من أجلها دخلوا الخلوة فيقول : « ومنهم من يأخذ الخلوة لصفاء الفكر ليكون صحيح النظر فيما يطلبه من العلم ، وهذا لا يكون إلّا للذين يأخذون العلم من أفكارهم ، فهم يتخذون الخلوات لتصحيح ما يطلبونه إذا ظهر لهم بالموازين المنطقية وهو ميزان لطيف أدنى هواء يحرّكه فيخرجه عن الاستقامة فيتخذون الخلوات ويسدّون مجاري الأهواء لئلا تؤثر في الميزان حركة تفسد عليهم صحة المطلوب ، ومثل هذه الخلوة لا يدخلها أهل اللّه وإنما لهم الخلوة بالذكر ليس للفكر عليهم سلطان ولا له فيهم أثر ، وأيّ صاحب خلوة استنكحه الفكر في خلوته فليخرج ويعلم أنه لا يراد لها وأنه ليس من أهل العلم الإلهيّ الصحيح ، إذ لو أراده اللّه لعلم الفيض الإلهي لحال بينه وبين الفكر . ومنهم من يأخذ الخلوة لما غلب عليه من وحشة الأنس بالخلق فيجد انقباضا في نفسه برؤية الخلق حتى أهل بيته ، حتى أنه ليجد وحشة الحركة فيطلب السكون