ابن عطاء الله السكندري
47
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
الحكمة الثانية « 1 » « إرادتك التّجريد مع إقامة اللّه إيّاك في الأسباب من الشّهوة الخفيّة ، وإرادتك الأسباب مع إقامة اللّه إيّاك في التّجريد انحطاط عن الهمّة العليّة » . شرح الحكمة : التجريد في اللغة : الإزالة ، تقول : جردت الثوب أزلته عني ، وجردت الجلد : أزلت شعره . هذا هو معنى التجريد في اللغة ، وأما عند علماء التربية والسلوك فله معان عدة بحسب أقسامه الثلاثة : القسم الأول : تجريد الظاهر ومعناه : ترك الأسباب الدنيوية التي تشغل الجوارح عن طاعة اللّه تعالى . القسم الثاني : التجريد الباطني ومعناه : ترك العلائق النفسانية التي تشغل القلب عن الحضور مع اللّه تعالى . والقسم الثالث : تجريد الظاهر والباطن معا ويقال له التجريد الكامل ويشمل المعنيين . فيكون معنى التجريد التفرغ للعبادة والمراقبة مع ترك الأسباب الدنيوية ، كالعمل من أجل الكسب الحلال ، وعلى هذا فيكون معنى الحكمة في شطرها الأول ، أن الإنسان الذي أقامه اللّه تعالى في الأسباب أي : الأخذ في أسباب الرزق بأن يعمل ويجاهد سعيا وراء الكسب الحلال ليعيل نفسه وأهله وأولاده ، عليه أن يحمد اللّه تعالى الذي وفقه وأقامه في هذه الحالة ، لا أن يطلب من اللّه تعالى أن ينقله إلى مقام التجريد ليرتاح من عناء السعي وراء الكسب لما في ذلك من جهد ومشقة وتعب ، مدعيا أن ذلك يشغله عن العبادة ، لأن نفسه تريد من وراء هذا الطلب وهذا الادعاء أن ترتاح ، فيكون مطلبها من الشهوة الخفية ، وكون ذلك من الشهوة الخفية لعدم وقوف العبد مع مراد مولاه . وعليه أن يعلم أن ما هو فيه يعتبر عبادة وطاعة لقوله تعالى : أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ [ البقرة : 267 ] . وقوله تعالى : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [ الجمعة : 10 ] . ولقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « ما أكل
--> ( 1 ) ورقمها ( 2 ) في النص الكامل للحكم .