ابن عطاء الله السكندري

48

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي اللّه داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده » « 1 » . أما معنى الحكمة في شطرها الثاني وهو : وإرادتك الأسباب مع إقامة اللّه إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية . أي : من أقامه اللّه تعالى في خدمته ، بأن تفرّغ لتعلم العلم وتعليمه ، وانقطع بذلك عن كل ما يشغل الجوارح عن طاعة اللّه تعالى ، والقلب عن الحضور مع اللّه مصدقا لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر اللّه وما والاه وعالما ومتعلما » . وهو في حاله هذا عنده من الرزق ما يكفيه ويكفي عياله ، أو كان يأتيه رزقه يوما بعد يوم ، ثم أراد أن يترك مقام التجريد هذا فإنه يكون بذلك ضعيف الهمة ، لأن مقام التجريد يحتاج إلى قوة كبيرة من اليقين والصبر وجهاد النفس أثناء الذكر والعبادة وتحصيل العلوم الشرعية ودعوة الخلق وإرشادهم إلى الحق ، قال تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 33 ) [ فصّلت : 33 ] . وقال تعالى : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 ) [ آل عمران : 104 ] . قال الشيخ ابن عطاء اللّه في كتابه التنوير : « والذي يقتضيه الحقّ منك أن تمكث حيث أقامك حتى يكون الحق تعالى هو الذي يتولى إخراجك كما تولى إدخالك ، وجاء في شرح الحكم العطائية : « واعلم أن المتسبب والمتجرد عاملان للّه إذ كل واحد منهما حصل له صدق التوجه إلى اللّه تعالى حتى قال بعضهم : مثل المتجرد والمتسبب كعبدين للملك ، قال لأحدهما : اعمل وكل ، وقال لآخر : الزم أنت حضرتي وأنا أقوم لك بقسمتي ، ولكنّ صدق التوجه في المتجرد قد يكون أقوى لقلة عوائقه وقطع علائقه ، وقد يكون العكس هو الصحيح وذلك يختلف باختلاف الأشخاص . الحكمة الثالثة « 2 » [ في عزلة ] « ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة » .

--> ( 1 ) رواه البخاري : كتاب البيوع باب كسب الرجل وعمله بيده حديث رقم ( 2072 ) . ( 2 ) ورقمها ( 12 ) في النص الكامل للحكم .