ابن عطاء الله السكندري
30
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
استناد معرفة اللّه تعالى إلى النظر والاستدلال العقليين : إن علماء التوحيد اشترطوا لصحة المعرفة استنادها إلى النظر والاستدلال العقليين ، قال اللّه تعالى : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ يونس : 101 ] وقال تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [ محمّد : 19 ] . يقول إمام المتكلمين القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني في كتابه ( الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ) : « إن الواجب على المكلّف أن يعلم أن أول ما فرض اللّه عزّ وجل على جميع العباد النظر في آياته ، والاعتبار بمقدوراته ، والاستدلال عليه بآثار قدرته ، وشواهد ربوبيته ، لأنه سبحانه غير معلوم باضطرار ، ولا مشاهد بالحواس ، وإنما يعلم وجوده وكونه على ما تقتضيه أفعاله بالأدلة القاهرة ، والبراهين الباهرة » . ويقول الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه ( الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد ) : « ثم أمر اللّه تعالى في آية أخرى بالنظر فيهما - السماوات والأرض » - فقال لنبيه : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ يونس : 101 ] . يعني واللّه أعلم من الآيات الواضحات ، والدلالات النيرات ، وهذا لأنك إذا تأملت هيئة هذا العالم ببصرك ، واعتبرتها بفكرك ، وجدته كالبيت المبين المعد فيه جميع ما يحتاج إليه ساكنه من آلة وعتاد . والإنسان كالمملّك البيت المخوّل ما فيه . وفي هذا دلالة واضحة على أن العالم مخلوق بتدبير وتقدير ونظام ، وأن له صانعا حكيما تام القدرة ، بالغ الحكمة » . دليل معرفة اللّه تعالى الإجمالي والتفصيلي : إنّ من عنده الأهلية العقلية من المكلفين يجب عليه تعلم دليل المعرفة الإجمالي : « وهو المعجوز عن تقريره وحل شبهه وردها - ويحصل به العلم والطمأنينة بعقائد الإيمان ، كما إذا قيل له : أتعتقد أن اللّه تعالى موجود ؟ فيقول : نعم . فيقول له : وما دليلك على ذلك ؟ فيقول : هذه المخلوقات » فإن الصنعة تدل على الصانع وكما قال الأعرابي : البعرة تدل على البعير والسير يدل على المسير ، أفأرض ذات فجاج وسماء ذات أبراج لا تدل على الواحد القهار ؟ ! « 1 » أما معرفة الدليل التفصيلي لعقائد التوحيد كأن يبرهن المستدل على وجود اللّه تعالى بهذه المخلوقات على جهة دلالتها ، هل هي حدوثها كأن يقول : المخلوقات
--> ( 1 ) انظر حاشية الدسوفي على أم البراهين .