ابن عطاء الله السكندري

29

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

ولقوله تعالى : فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ [ الأنفال : 40 ] ولقوله تعالى : فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ هود : 14 ] ولقوله تعالى : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا [ البقرة : 136 ] . « فوجب بالآيات قبلها ، معرفة اللّه تعالى وعلمه ، ووجب بهذه الآية - الأخيرة - الاعتراف به والشهادة له بما عرفه ، ودلت السنّة على مثل ما دلّ عليه الكتاب » . وقال القاضي علي بن محمد بن أبي العز الدمشقي في شرحه على ( العقيدة الطحاوية ) : ( اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل ، وأول منازل الطريق ، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى اللّه عزّ وجل ) قال تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ النّحل : 36 ] وقال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ( 25 ) [ الأنبياء : 25 ] ، ويقول في موضع آخر : « فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام ، وآخر ما يخرج به من الدنيا ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من كان آخر كلامه لا إله إلا اللّه دخل الجنة » ( رواه أبو داود وأحمد في المسند والحاكم وقال : صحيح الإسناد ) وهو أول واجب وآخر واجب . ويقول الإمام عبد الباقي المواهبي الحنبلي في كتابه ( العين والأثر في عقائد أهل الأثر ) : « فتجب معرفة اللّه تعالى شرعا ومما ورد في الشرع : النظر في الوجود والموجود على كل مكلّف قادر ، وهو أول واجب للّه تعالى » . وقد نقل العلامة السوداني في كتابه ( زبد العقائد ) إجماع العلماء على أن معرفة اللّه تعالى أول الواجبات على المكلّف حيث يقول ما نصه : « فقد أجمع أهل الحق قاطبة على أن أول الواجبات العلم باللّه تعالى ، واتفقوا على عدم صحة العبادة لمن لا يعرف معبوده » « 1 » . والأدلة على ذلك متواترة . قال سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه : « من عمل في غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح » « 2 » . إن العلم باللّه تعالى متمثلا بالعقيدة الحقة عقيدة علم اليقين بالدليل والبرهان أو معرفته متمثلا بعقيدة عين وحق وحقيقة اليقين بالشهود والعيان هو الذي يصحح الأعمال ويجعلها مقبولة عند اللّه تعالى .

--> ( 1 ) انظر مفتاح الجنة في شرح عقيدة أهل السنة لمحمد الهاشمي التلمساني ، طبعة دمشق . ( 2 ) رواه ابن عبد البر في كتاب العلم .