ابن عطاء الله السكندري
28
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
إن معرفة اللّه تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه هي عين السعادة الحقيقية الروحية في الدنيا حيث الحياة العاجلة الفانية وفي الآخرة حيث الحياة الأبدية فهي غاية خلق الخلق ، قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذّاريات : 56 ] فسّر عبد اللّه بن عباس رضي اللّه تعالى عنهما « إلا ليعبدون » ب « إلا ليعرفون » فيكون الحق تعالى عبّر عن المعرفة التي هي الغاية بالعبادة التي هي الوسيلة . معرفة الإنسان لربه تعالى : إن الإنسان مفطور على معرفة اللّه تعالى فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [ الرّوم : 30 ] ولكنه بعد نزوله إلى الدنيا وانغماسه في شهواتها بإغواء من الشيطان تشوهت هذه المعرفة ، فأرسل اللّه تعالى رسله عليهم الصلاة والسلام وأنزل كتبه للتذكير بتوحيد الفطرة . قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في الباب الثالث من كتابه ( اليواقيت والجواهر ) : « ورد مرفوعا أن اللّه تعالى خلق العباد على معرفته فاختالهم الشيطان عنها ، فما بعثت الرسل إلا للتذكير بتوحيد الفطرة وتطهيره عن تسويلات الشيطان بالاستدلالات النظرية والدلائل العقلية وبها توجهت التكاليف على العقلاء » . ويقول في موضع آخر : « المعرفة ضرورة فالناس كلهم يشيرون إلى الصانع جلّ وعلا وإن اختلفت طرائقهم وعللهم ولا يجهلون سوى كنه الذات ، ولذلك لم يأت الأنبياء والرسل ليعلمونا بوجود الصانع ، وإنّما أتونا ليدعونا إلى التوحيد » . قال تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [ محمّد : 19 ] . والخلق إنما أشركوا بعد الاعتراف بالموجود لما اعتقدوه من الشركاء للّه تعالى أو لنفي واجب من صفاته أو لإثبات مستحيل منها أو لإنكارهم النبوات » . معرفة اللّه تعالى أول الواجبات على المسلم المكلّف : إنّ الشريعة الإسلامية جعلت معرفة اللّه تعالى أول واجب على كل مكلّف ، قال تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [ محمّد : 19 ] . قال الإمام السيوطي في كتابه ( الإكليل في استنباط التنزيل ) : « قد استدل بالآية من قال بأن أول الواجبات معرفة اللّه تعالى » . وقال الإمام الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتابه ( الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف أصحاب الحديث ) بعد سرده لهذه الآية