ابن عطاء الله السكندري

19

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

وحال المسلمين هذا يستدعي تأخرهم في دنياهم ، وخذلان ربهم لهم بعدم نصرهم ، لأن الحق تعالى علّق نصره للمسلمين بنصرهم له تعالى ، وذلك يتحقق بالأخذ والعمل بمجموع دينه الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان . حد التصوف أو تعريفه : وكنتيجة لهذه المقدمات يكون التصوف هو العلم المتعلق أو الشارح أو الموضوع لكيفية تزكية النفس وتطهيرها وتصفيتها من الرذائل وتحليتها بالفضائل لتتهيأ القلوب لمعرفة الحق تعالى المعرفة الحقيقة من حيث معرفة تجليات الذات والصفات والأسماء والأفعال ، التي هي معرفة الشهود والعيان بطريق الذوق والوجدان . عرّف ابن خلدون التصوف في مقدمته تعريفا جمع فيه سبب نشأته فقال : « هذا العلم من علوم الشريعة الحادثة في الملة ، وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية ، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى اللّه تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها ، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه ، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة ، وكان ذلك عامّا في الصحابة والسلف ، فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده ، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة » . إن تعريف ابن خلدون هذا للتصوف يعتبر ناقصا لأنه عرف فقط قسما من أقسام التصوف وهو علم الطريقة ولم يتضمن علم الحقيقة وهو الشهود والعيان . هذا وسأذكر عددا من التعاريف لعلماء هذا الشأن دون التعرض لها نقدا وتحليلا . قال الجنيد رحمه اللّه تعالى : التصوف أن يميتك الحق عنك ويحييك به . وقال أيضا : أن تكون مع اللّه بلا علاقة . وقيل في حده : « هو الدخول في كل خلق سني ، والخروج عن كل خلق دني . وقيل : هو الجلوس مع اللّه بلا هم ، وقيل هو العصمة من رؤية الكون » . وقال الشيخ أحمد زروق : « قد حدّ التصوف ورسم وفسّر بوجوه تبلغ نحو الألفين ، ترجع كلها لصدق التوجه إلى اللّه تعالى » . وقيل للجنيد أيضا : ما التصوف ؟ قال : « لحوق السر بالحق ، ولا ينال ذلك إلا بفناء النفس عن الأسباب لقوة الروح والقيام مع الحق » « 1 » .

--> ( 1 ) التعرف لمذهب أهل التصوف ، الكلاباذي ، ص 91 .