ابن عطاء الله السكندري

129

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم 1 - [ إنّ البدايات ، مجلّات النّهايات ] وقال مما كتب به لبعض إخوانه : أمّا بعد فإنّ البدايات ، مجلّات النّهايات وإنّ من كانت باللّه بدايته ، كانت إليه نهايته ، والمشتغل به هو الّذي أحببته وسارعت إليه ، والمشتغل عنه هو المؤثر عليه . وإنّ من أيقن أنّ اللّه يطلبه صدق الطّلب إليه ، ومن علم أنّ الأمور بيد اللّه انجمع بالتّوكّل عليه . وأنّه لا بدّ لبناء هذا الوجود أن تنهدم دعائمه ، وأن تسلب كرائمه . فالعاقل من كان بما هو أبقى ، أفرح منه بما هو يفنى . قد أشرق نوره ، وظهرت تباشيره ، فصدف عن هذه الدّار مغضيا ، وأعرض عنها مولّيا ، فلم يتّخذها وطنا ، ولا جعلها سكنا ، بل أنهض الهمّة فيها إلى اللّه تعالى ، وصار فيها مستعينا به في القدوم عليه . فما زالت مطيّة عزمه لا يقرّ قرارها ، دائما تسيارها ، إلى أن أناخت بحضرة القدس ، وبساط الأنس ، محلّ المفاتحة والمواجهة ، والمجالسة والمحادثة ، والمشاهدة والمطالعة ، فصارت الحضرة معشّش قلوبهم ، إليها يأوون ، وفيها يسكنون . فإذا نزلوا إلى سماء الحقوق ، أو أرض الحظوظ ، فبالإذن والتّمكين ، والرّسوخ في اليقين ، فلم ينزلوا إلى الحقوق بسوء الأدب والغفلة ، ولا إلى الحظوظ بالشّهوة والمتعة ، بل دخلوا في ذلك باللّه وللّه ومن اللّه وإلى اللّه . وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ [ الإسراء : 80 ] ليكون نظري إلى حولك وقوّتك إذا أدخلتني ، واستسلامي وانقيادي إليك إذا أخرجتني ، وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [ الإسراء : 80 ] ينصرني وينصر بي ولا ينصر عليّ ، ينصرني على شهود نفسي ، ويفنيني عن دائرة حسّي . 2 - [ إنّ اللّه واحد في منّته ] ومما كتب به إلى بعض إخوانه : إن كانت عين القلب تنظر إلى أنّ اللّه واحد في منّته ، فالشّريعة تقتضي أنّه لا بدّ من شكر خليقته . وإنّ الناس في ذلك على ثلاثة أقسام : غافل منهمك في غفلته ،