ابن عطاء الله السكندري
130
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
قويت دائرة حسّه ، وانطمست حضرة قدسه ، فنظر الإحسان من المخلوقين ، ولم يشهده من ربّ العالمين . إمّا اعتقادا فشركه جليّ ، وإمّا استنادا فشركه خفيّ ، وصاحب حقيقة غاب عن الخلقّ ، بشهود الملك الحقّ ، وفني عن الأسباب ، بشهود مسبّب الأسباب ، فهو عبد مواجه بالحقيقة ، ظاهر عليه سناها ، سالك للطّريقة ، قد استولى على مداها ، غير أنّه غريق الأنوار ، مطموس الآثار ، قد غلب سكره على صحوه ، وجمعه على فرقه ، وفناؤه على بقائه ، وغيبته على حضوره . وأكمل منه عبد شرب فازداد صحوا ، وغاب فازداد حضورا ، فلا جمعه يحجبه عن فرقه ، ولا فرقه يحجبه عن جمعه ، ولا فناؤه يصرفه عن بقائه ؛ ولا بقاؤه يصدّه عن فنائه ، يعطي كلّ ذي قسط قسطه . ويوفي كلّ ذي حقّ حقّه . وقد قال أبو بكر الصّدّيق رضي اللّه عنه لعائشة رضي اللّه عنها لمّا نزلت براءتها من الأفك على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا عائشة اشكري رسول اللّه ، فقالت : واللّه لا أشكر إلّا اللّه . دلّها أبو بكر على المقام الأكمل ، مقام البقاء المقتضي لإثبات الآثار ، وقد قال اللّه تعالى : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [ لقمان : 14 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم : لا يشكر اللّه من لا يشكر الناس . وكانت هي في ذلك الوقت مصطلمة عن شاهدها ، غائبة عن الآثار ، فلم تشهد إلّا الواحد القهّار . 3 - [ جعلت قرة عيني في الصلاة ] وقال رضي اللّه عنه : لما سئل عن قوله صلوات اللّه وسلامه عليه : ( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) هل ذلك خاص به أم لغيره منه شرب ونصيب ؟ فأجاب : إنّ قرّة العين بالشّهود ، على قدر المعرفة بالمشهود . فالرّسول ليس معرفة كمعرفته ، فليس قرّة عين كقرّته . وإنّما قلنا إنّ قرّة عينه في صلاته بشهود جلال مشهوده ، لأنّه قد أشار إلى ذلك بقوله في الصّلاة ولم يقل بالصّلاة ، إذ هو صلى اللّه عليه وسلم لا تقرّ عينه بغير ربّه ، وكيف وهو يدلّ على هذا المقام ويأمر به من سواه بقوله : اعبد اللّه كأنّك تراه ، ومحال أن يراه ويشهد معه سواه . فإن قال قائل : قد تكون قرّة العين بالصّلاة لأنّها فضل من اللّه ، وبارزة من عين منّة اللّه ، فكيف لا يفرح بها ؟ وكيف لا تكون قرّة العين بها وقد قال سبحانه وتعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [ يونس : 58 ] فاعلم أنّ الآية قد أومأت إلى