محمد بن أحمد الفرغاني
8
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
ويظنّ أن الشيء منها تأثيرا حقيقيّا من غير سراية أثر من حكم المسبّب الأول الحقيقي على مقتضى حكمته البالغة في كل واحد من هذه الأسباب ، وعلى كل من يجد من المؤمنين في نفسه دغدغة شبهة من مثل هذه الإشكالات المذكورة لم تندفع كلّها إلّا بأحد أمرين : أحدهما : تقليد مخبر محق صادق محقّق من الأنبياء والرسل فيما أخبروه عن الحقّ تعالى ، وبيّنوه بالكتاب والسنّة بإيمان واعتقاد وفهم ، والأمر الثاني مما يدفع هذه الإشكالات المتحصّلة من شبهات الأشباه التي هي إرشاد مرشد كامل واصل يهديه إلى سواء سبيل الحقّ ومنبع اليقين والصدق ، ويرشده إلى فناء أحكام حجب طبيعية وعقلية انبعثت هذه الشبّه والإشكالات منها ، وحينئذ يكون حاصل هدايته أن يأمره بالإعراض عن عالم الطبع والعقل ، بل عن عالم الخلق والخلقية كلّها ، والإقبال بكليّته إلى عالم الحقيقة والحق ليظهر له حقية الأمر على ما هو عليه ويحصل له الطمأنينة واليقين المزيد لجميع الشبه والظنون والإشكالات كلّها ، وهذه الهداية موهمة بشرك خفي ، حيث توهّم أن الحق المطلوب الذي به يبطل الباطل ويحق الحقّ ويظهر اليقين والصدق مفقود مما هو فيه من وجود ظاهر مضاف وموجود في عالم يهديه إليه ، فإنه يثبت ويرى وجودين ، أحدهما : فيه الحق والآخر خال عنه ، وهذا شرك خفي ، فإنّ الوجود واحد ، وهو عين الحقّ ؛ فلا جرم يقول : كل من عرف الصور والهيئات مثل معرفتي بأنها صور وصف ذات واحدة هو عينها في مرتبتها الأولى ، ولا هي ولا غيرها من جميع الوجوه في مرتبتها الثانية ، ويسمّى غيرا في المراتب الكونية الخلقية بحسب هذه المراتب الإلهيّة والكونية وحكمها لا يشوب هداية هذا الشرك الخفيّ عند رفع إشكال مثل هذه الشبهات عمّن يطرأ عليه ذلك ، فإنه يهديه من صورة تفرقة الوجود وتفصيل الذات الواحدة إلى شهود عين جمع هذا الوجود والذات الواحدة من جهة أن من حكم هذه التفرقة قبول حكم الحجابية التي هذه الإشكالات من بعض أحكامها ، ومن حكم شهود عين الجمع ارتفاع جميع الحجب ، فيهديه مما يقبل الحجب إلى ما يدفعه وينفي الارتياب ، وعلى هذا لا يشوب هداية هذا الشرك والإشارة إلى معنى هذا الإيهام في الدعوة والهداية بهذا النوع من الشرك الخفيّ الأمر بقول سبحان اللّه على أثر الأمر بالدعوة إلى اللّه تعالى ، وذلك في قوله عزّ من قائل : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 108 )