محمد بن أحمد الفرغاني
65
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [ العنكبوت : الآية 6 ] ، فكان الأمر كاملا في ذاته نظرا إلى ذي الظل ، لا إلى الظلّ ، وأظهر لامتداد هذا الظل من ذي الظلّ مثالا ودليلا يدلّ الناظرين إلى الأصل بموجب ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا [ الفرقان : الآية 45 ] ، فإن الشمس عينها مثال ذي الظلّ وشعاعها الممتدّ المنبسط بامتداده على فضاء السماء والأرض مثال امتداد هذا الظلّ عنها ، وهو صفاتها المحكوم عليها بالغيريّة من وجه ، وعينها المحكوم عليه بعدم المغايرة من وجه ، فكان لهذا الظلّ الأصلي حالتان أو حكمان ، أحدهما : الامتداد إلى الغاية في النزول ، وثانيهما : الرجوع إلى ما منه شرع في الامتداد وعيّن له بحسب حالتيه وحكميه صورتان إمّا بحسب امتداده في النزول ، فصورته التفصيلية مسمّاة بالعالم ، وإمّا بحسب رجوعه بموجب ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) [ الفرقان : الآية 46 ] ، أي خفيّا دقيقا لا يفهمه ولا يدركه إلا أرباب البصائر النافذة ، فصورته هي الصورة الإجمالية العنصرية الإنسانية الكمالية ، فكان يرجع من حيثيّة كل صورة عنصرية من صور أولي العزم من الرسل ، ومن كان في حيطة حقائقهم كسائر الأنبياء والرّسل على التعاقب بحسب اقتضاء أحكام أسمائه الكلّية ، وسلطنة أدوارها من حيث مظاهرها الكلّية ، وبعض الجزئيات أيضا إلى أن وصلت توبة الرجوع إلى صورة منسوبة مظهريّتها إلى ذي الظلّ ، وهي صورة في غاية الكمال وحاق الاعتدال وهي الصورة المحمدية صلى اللّه عليه وسلم ، فقصد الرجوع إلى ما منه بدا وهو نوره الأول الذي منه انتشأ ، وظهر الظلّ المذكور ، وحيث كانت حقيقة عين البرزخ الأكبر ما ناسب توجّهه الكلّي إلى حضرة النور الأول إلّا وقت الصبح الذي هو البرزخ بين اللّيل والنهار ، ولمّا وصل في توجّهه إلى مقام جمع قاب قوسين الذي هو مبدأ ظهور حكم الظلّ وقصد الجواز عنه أحس بأثر من حكم الظلّية في ذاته صلى اللّه عليه وسلم ، فعاد إلى عالم التفرقة والعبودية ، وأخذ في التضرّع والتملّق يطلب رفع أحكام الجزئية والظلّية عن مجموعه وكلّه الجامع بين الباطنية المعنوية والظاهرية الصورية ، بقوله : « اللّهمّ اجعل لي نورا في قلبي » « 1 » ، وعن مبدأ صورته البرزخية بقوله : « ونورا في قبري » « 1 » ، وعن جميع أجزاء صورته العنصرية ، وقواها وأعضائها جمعا وفرادى ، بقوله : « ونورا في
--> ( 1 ) رواه ابن خزيمة في صحيحه ، باب استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ، حديث رقم ( 1119 ) [ 2 / 165 ] ؛ والطبراني في المعجم الأوسط ، حديث رقم ( 3696 ) [ 4 / 95 ] ؛ ورواه غيرهما .