محمد بن أحمد الفرغاني
64
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
وما فيّ ما يفضي للبس بقيّة ، ولا فيء لي يقضي عليّ بفيئة يقول : ولم يبق فيّ ، أي في ظاهري وباطني شيء من أثر التميّز والجزئية ما يفضي إلى حجابية بيني وبين حقيقة ذاتي بسبب بقيّة من أثر تعيّني وأنانيتي ، أو تحكم يشوب أثر غيرية ، فإن كل جزء مني قد تحقّق بوصف الكلّية ، وكل صفة فيّ قد انصبغ بصبغة الذات ، فأنّى يكون ثمّة أثر بقية ؟ ومن أين يتطرّق حكم الحجابية ؟ وكذا لم يبق لي فيء ، أي ظلّ راجع إليّ من نوع ظلال الصفات ينبئ عن تميّز وغيريّة بيني وبين تلك الحضرة يحكم على ذلك الظلّ برجعتي من مقام آخرية جمعي هذا إلى تعيّني في المراتب الكونيّة لأجل سدّ خلل التميّز ورفع أثر ما ينبئ عن أثر المغايرة الذي تأبى حضرة أحدية الجمع عنها ، يعني أن الوجود والعلم أو الوحدة والكثرة أو الفاعلية والقابلية في التجلّي الأول ، وفي حضرة أحدية الجمع ومقام أو أدنى ، والبرزخية الكبرى بين الواحدية والأحدية عين الذات لا صفة ولا نعت زائد عليها ، إلّا أن في البرزخية الثانية بين وصف الوحدة والكثرة ، أو قل بين وصفي الفاعلية والقابلية ، أو قل بين ظاهر الوجود وظاهر العلم ، أو قل بين الوجوب والإمكان ، وفي التجلي الثاني في المرتبة الثانية وحضرة قاب قوسين كلّها متغايرة وأوصاف زائدة على مفهوم الذات الأقدس ، بل هذه الأوصاف كلّها هي ظل نسب الذات التي هي عين الذات وتجلّيها الأول في المرتبة الأولى ، وهذا التجلّي الأول الذي هو ربّ محمد صلى اللّه عليه وسلم ونوره الأول الأعظم الأشمل هو الذي مدّ ظل نسب واحديته في المرتبة الثانية لأجل كمال الجلاء والاستجلاء بموجب « فأحببت أن أعرف » « 1 » ، ولما مدّ جناب الرب المحمدي هذا الظلّ حتى ظهرت نسبه بصور الصفات والحقائق والأسماء الإلهيّة والكونية في المرتبة الثانية ، وما يتضمّن من المراتب بحكم أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [ الفرقان : الآية 45 ] ، فظهر بمدّه الأول تفصيل الحقائق الإلهيّة والكونية والأسماء والصفات الإلهيّة ، وبمدّه الثاني صور الأرواح والروحانيات جميعها في مرتبة الأرواح ، وبمدّه الثالث ظهرت الصورة العرشية ثم الكرسية لما اشتملتا عليه ، ثم بمدّه رابعا ظهرت صور السماوات والأرض والعناصر والمركّبات من جماد ونبات وحيوان وإنسان ، ولو شاء لجعل هذا الظل ساكنا غير ممتدّ ومقتصرا على ظهور الكمال لذاته بموجب
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .