محمد بن أحمد الفرغاني
60
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
كل شيء ومشهد أحدية الجمع ومقام أو أدنى ، فإن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ، وأن المقيم بجعرانة « 1 » بحيث لا يتجاوزها مع المقيم بأقصى الشرق والصين في احتجابهما عن مشاهدة جمال الكعبة الحسناء سواء . ومأخوذ محو الطّمس محقا وزنته بمحذوذ صحو الحسّ ، فرقا بكفّة المحو في اللغة : إزالة الأثر وإذهابه ، والطّمس : هو المبالغة في ذلك ، والمحوين : الإعدام ، وفي الاصطلاح المحو : رفع أوصاف العادة وإذهاب العلّة ، والطمس : رفع جميع الأوصاف ، والمحق : الاستهلاك في العين ، فجمع في البيت بقوله : ومأخوذ محو الطمس محقّا بين فناء أوصاف النفس جميعا التي بعضها أحكام العادة وبعضها معلولة بعلل الآمال والأماني ، وذلك بلفظة المحو ، وبين فناء أوصاف الروح معها ، وذلك بإضافة الطمس إلى المحو ، وبين مجموعتيهما واستهلاكهما جميعا أثرا وعينا في عين حضرة الجمع ، ومحقا منصوب على التمييز ، يعني : محو الطمس اللذين هما المحق ، والمحذوذ : المقطوع ، وفرقا : منصوب على المفعول له ، أي : المحذوذ لتقيّده بالتفرقة . يقول : إني وزنت بميزان كشفي وشهود أحدية جمعي من يكون مأخوذا في قبضة الفناء بمحو آثار نفسه منضمّا إلى ذلك المحو طمس أوصاف الروح ، ومنضمّا إلى ذلك المحو والطمس استهلاك عينهما وتعيّنهما بالكلّية في عين جمع الجمع ، وهو موزون بوزن كفّة وزن بعين تلك الكفّة من هو مقطوع عن الكشف والشهود بسبب صحو مضاف إلى الحسّ ، يعني بسبب حضوره مع عالم الحسّ ، وعدم دخوله في السير ؛ لأجل تقيّده بالتفرقة ، فوجدتهما سواء . قلت : معنى هذا البيت والبيت السابق واحد ، غير أنه يعلم من هذا البيت بعض اصطلاحات القوم في ألفاظهم واستعاراتهم ، والمقصود من المعنى : أن صاحب مقام جمع الجمع وعموم الخلق في تقيّدهم بإثبات العدد والمغايرة بينهما سواء في احتجابهما عن مشهدي الذي هو المقصد الأعلى لما ضربنا من المثل في البيت السابق ، ويحتمل أن يكون مراده من مجذوذ صحو الحسّ هو الذي انقطع عنه صحو الحسّ بالسكر والفناء ، يعني أن الفاني في أول مراتب الفناء مع الفاني
--> ( 1 ) الجعرانة : موضع قريب من مكة بين الحلّ وميقات الإحرام . ( لسان العرب ) .