محمد بن أحمد الفرغاني
57
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
وبلّغتهم مأمولهم بما خصصت به من الفاتحة والسبع المثاني وبما أوتيت من جوامع الكلم ، ومن تفرقتي الثانية التي رجعت من حضرة أحدية الجمع إلى قومي بدا جمع وحدتي الموحد للوحدة والكثرة المقابلة لها ، يعني كنت في تفرقتي الأولى ومرجعي من حضرة جمع الجمع أرى الوحدة والكثرة التي شاهدتهما حالتئذ كانتا وصفين متضادّين متقابلين ، وفي هذه التفرقة الثانية أرى الوحدة جامعة لكل وحدة وكثرة مشهودة لسائر أرباب الكشف والحجاب ، بل أرى المشهودات كلّها يجمعها وحدة شاهدي ومشهودي بلا مغايرة وغيريّة بينهما . وفي صعق دكّ الحسّ خرّت إفاقة لي ، النّفس ، قبل التّوبة الموسويّة نصب إفاقة على المفعول له ، ولي ، أي : إليّ متعلقة بالتوبة ، والألف واللام في النفس قاما مقام الإضافة ، تقديره : خرّت نفسي ، أي وقعت غائبة عن نفسها في وقت صعق حاصل بسبب دكّ الحس ، يعني الجبل المحسوس قبل التوبة الموسوية ، أي الرجوع المضاف إلى الحقيقة الموسويّة إليّ لأجل الإفاقة الحاصلة لها عن صعق ، يعني شهدت عند شهودي في حضرة أحدية جمعي في كمالي الذاتي سرّ قولي : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ( 143 ) [ الأعراف : الآية 143 ] ، وشهدت في ذلك المشهد أن الجبل واندكاكه لم يكن سواي ، وأن الصعق واقع عليّ وعلى نفسي ، وأن التوبة إليّ حاصلة مني قبل أن تظهر التوبة الموسوية لموسى ، وهذه الأمور الواردة على مظاهري على التعاقب بالنسبة إلى مبلغ علمهم وإدراكهم هي واردة عليّ دفعة واحدة لشهودي المظاهر عين الظاهر زمانا ومكانا وما فيها ، فلا يحدث شيء بالنسبة إليّ لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا يشير من بعض الوجوه إلى شيء مما ذكرنا ، فافهم ولا تك أحول متعصّبا . فلا أين بعد العين ، والسّكر منه قد أفقت وعين الغين بالصّحو أصحت المراد بالعين ههنا : المقصود ، وفيه حذف المضاف ، أي بعد حصول المقصود ، وهذا من باب تسمية المركوب ظهرا والمرأة فرجا ، باعتبار المقصودية ، والغين الأولى بمعنى الغيم ، والثانية بمعنى الحجاب والغطاء ، ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إنه