محمد بن أحمد الفرغاني
58
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
ليغان على قلبي » « 1 » ، وأصحت أي صارت صاحية صافية ، وقوله : فلا أين ، أي : فلا يبقى عندي قول أين ولا يصح مني هذا القول ، والواو في قوله : والسكر للحال من ضمير أفقت ، ومنه متعلّقة بأفقت ، والضمير يعود إلى السكر ، وباء بالصحو للوساطة متعلقة بأصحت . يقول : فلا يصح مني قول أين المنبىء عن طلب مقصود غير موجود بعد أن حصل المقصود الحقيقي لي حال حصول الإفاقة لي من سكر الغيبة عن رؤية عينيّة كل شيء لذاتي وشهودي كل شيء فيها مع انتفاء المغايرة والغيرية عن مشهوداتي ، واشتمال كل واحد مما هو مشهودي من نسب واحدية ذاتي وشؤونها على الجميع مع عدم مغايرة الشاهد للمشهود والشهود ، وحال صفاء سماء الشهود عن غيم الاحتجاب عن هذا الشهود بهبوب نسيم الصحو عن سكر رؤية الغير والغيرية وبقاء الضدّية بين المشهودات المقتضي ذلك السكر تقيّدي بمرتبة جمع الجمع ، فحيث صحوت عن هذا السكر وزال عن عيني غين الحجب جميعها وحصل لي غاية المقصود ، فلا يصح مني قول أين . قلت : ولمّا ذكر أنّه وصل إلى المقصد الأعلى الذي انقطع به حكم الطلب المنبىء عنه لفظ أين ، وأن هذا المقام الذي حصل له غاية الغايات ومنتهى جمع التعيّنات والابتداءات والنهايات ، وكان حاصلا في مطلع يطلع منه على جميع المقامات الكلّية والجزئية وأهليها ، وعلى ما بقي فيهم مما يحجبهم عمّا هو المقصود الأقصى يذكر حينئذ كلّيات مقامات المحو والفناء وما اقتضت من أثر الحجابية بإيماء لطيف يتنبّه الذائق لما هو فيه ، فيقول : وآخر محو جاء ختمي ، بعده ، كأوّل صحو ، لارتسام بعدّة بعدّة ، أي : بعدد ، واللام لام التعليل لما ادّعاه من المشابهة . اعلم أن كلّيات مراتب المحو بالنسبة إلى سائر السائرين ثلاث ، ورابعها مختصّ بالسير المحمّدي . أولها : محو كثرة النفس وصفاتها الأصلية والعارضية وفناؤها ، وغايته ونتيجته الجذبة والبقاء ببقاء الوجود الظاهر الوحداني والمشهود حالتئذ وحدة الوجود الظاهر
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .