محمد بن أحمد الفرغاني
51
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
ولمّا كان الغالب على هذا المظهر العرشي حكم الوحدة والعدالة ، وكان كمال الأجسام جميعها في تحقّقها بالوحدة وقربها من صورتها التي هي العدالة به كان هذا المظهر العرشي بصورته ومعناه هو عين صورتي ومعناي وبحاله ووصفه هاديا جميع الصور إلى ما فيه كمالها الذي هو الوحدة والعدالة ، وكل مهدي خاضع وخاشع لهاديه ، وكل ما يكون في حضيض التحتية من الجهات والمحال ، فكل ما يتوجّه إليه ويحلّ فيه يكون حكم التحتية مضافة إليه وجارية عليه ، ويكون كمال تلك الجهة والمتوجّه إليها والمحل والحال أن يترقّى إلى الفوقية ، فيخضع ويخشع لما له درجة الفوقية ليهديه إلى كماله الذي هو الترقّي إلى أوج الفوقية من حضيض التحتيّة ، فبان تحقيق قوله : ومن كان فوق التحت والفوق تحته ، أي مثلي عنت كل وجهة بما فيها إلى وجهه ، أي ذاته ووجوده الوحداني الكمالي ؛ فلهذا كان جميع العالم بصورته ومعناه متوجّها إليّ ومستمدّا مني وأنا أمدّ الكل بكليّتي والجزء بجزئيّتي . فتحت الثّرى فوق الأثير لرتق ما فتقت ، وفتق الرّتق ظاهر سنّتي أراد بالأثير : كرة النار ، والرتق : الضمّ والالتحام بحيث يصير المرتوق مصمتا ، والفتق : الفصل بين المتّصلين ، ضدّ الرتق . يعني : لما خلق العرش والكرسي من الطبيعة الجامعة بين الحرارة التي كانت مظهر صفة الحياة ، وبين البرودة التي هي مظهر صفة العلم ، وبين الرطوبة التي هي مظهر صفة الإرادة ، وبين اليبوسة التي كان مظهر صفة القدرة بعد اجتماعها قد جمع مرة أخرى جميعها في كل واحدة منها بحيث صارت الحرارة مشتملة على الحرارة ، والبرودة والرطوبة واليبوسة والبرودة كذلك ، والرطوبة واليبوسة كذلك ، ثم جمع من هذه الأربعة بحيث صار الكل مشتملا على الكلّ ، فكان الحاصل منها جوهرا مرتوقا مجتمعا لا انفصال ولا تميّز بين أجزائه البتّة ، فعبّر القرآن العزيز عن ذلك بالرتق في قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ( 30 ) [ الأنبياء : الآية 30 ] ، ويسمّى ذلك الجوهر المرتوق في بعض الألسنة بعنصر العناصر ، والعنصر الأعظم ، ثم خلق بقدرته النافذة والحكمة البالغة في ذلك الجوهر المرتوق حركة حبّية إلى الكمال المراد منه ، فحصل من تلك الحركة في ذلك الجوهر المرتوق حرارة