محمد بن أحمد الفرغاني

52

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

غريبة ، فانفتق من أثر تلك الحركة والحرارة ذلك الجوهر وتميّز ألطفه من لطيفه وكثيفة ، وظهر بصورة الدخان المتصاعد من أثر الحرارة ، فكان ذلك الدخان رتق السماوات ، ثم انقسم هذا الدخان المرتوق بحكم الأسماء الأئمّة السبعة على سبعة أقسام هي صور السماوات السبع ، فكان ذلك فتق السماوات ، ثم صار كل سماء مظهرا لحقيقة من تلك الحقائق السبع وكوكبه مظهرا لاسم من تلك الأسماء المتعيّنة بتلك الحقائق ، ثم تميّز الباقي بعد ذلك كالدخان بحكم تلك الحركة الحبّية ، فبان كشف ذلك الجوهر بصورة الأرض ، فكان رتق الأرض ، ثم انبسط ذلك فصار أرضا مدحوّة ، وانقسم الباقي ثلاثة أقسام : قسم نسبته إلى الدخان أقوى ، وهو ما غلبت في تركيبه الحرارة واليبوسة ، فكان منه كرة النار المسمّى بالأثير . وقسم نسبته إلى الكثيف أشدّ وهو ما غلب في تركيبه البرودة والرطوبة ، فكان منه كرة الماء . وقسم كان بينهما وهو ما غلب في تركيبه الحرارة والرطوبة ، فكان منه كرة الهواء ، وذلك كلّه بتقدير العزيز العليم القدير الحكيم . وإذا عرفت هذا ، فاعلم أنه يقول : إن الفوقية والتحتية الثابتتان في نظر الخلق بسبب فوقية السماوات وتحتيّة الأرض فما دونها كانت في مبدأ الأمر الإيجادي الذي أشهده أنا الآن ، كما كانت مرتفعة عند رتق ما فوق الأثير وهو السماوات ، وما تحت الثرى وهو الأجزاء الأرضيّة كلّها ، فكان ما يشهده الخلق الآن تحتا هو بعينه كان فوقا وما يشهدونه فوقا كان تحتا عند ذلك الرتق ، وأنا أشهدها كذلك ؛ فلا فرق عندي بين السماوات والأرض وبين الفوق والتحت من جهة النظر المنصبغ بحكم أحدية الجمع ، فإن كل جزء مني ظاهر بوصف الكلّية ، وكل ما يكون مقيّدا بوصف الجزئية فهو خاضع خاشع لي ولجميع أجزائي وأوصافي خضوع الجزء للكل بالذات . ولا شبهة ، والجمع عين تيقّن ، ولا جهة ، والأين بين تشتّتي يعني : لمّا تحقّقت بحقيقة هذه الجمعية والكلّية التي هي منشأ العلم واليقين ، بل عينه ونظرت بعينها في جميع الأشباه والأمثال الثابتة متميّزة في مرتبة جمع الجمع التي هي دون مرتبتي وحقيقتي وأدركت كل شيء بخواصه وما تقتضيه حقيقته وتميّزها عن غيرها ، وكملت إحاطتي بالذات والحكم بجميع العالم كلّياته