محمد بن أحمد الفرغاني

50

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

المظهر الحقيقي لحضرة أحدية الجمع المذكور ظاهرا وباطنا ، وخاضع وخاشع له ، وباعتبار الإحاطة بموجب وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ( 20 ) [ البروج : الآية 20 ] هي محيطة بها ومشتملة عليها ، وحقيقة « لو دليتم بحبل لهبط على اللّه » « 1 » صارت ظاهرة بهذا الاعتبار . وأمّا باعتبار الإنشاء والإيجاد فسّر هذه الصورة البشرية المحمّدية التي هي المظهر الحقيقي لحضرة أحدية الجمع مثل نقطة المركز المنتشىء منها دائرة حقائق العالم أعلاها وأسفلها وأجناسها وأنواعها وأشخاصها وكلّها متوجّهة إليها ومستمدّة منها ومعينة جهاتها بنفسها ، واعلم أنه يذكر في البيتين التاليين حكم الإحاطة بالذات وبالحكم . ومن كان فوق التّحت ، والفوق تحته إلى وجهه الهادي عنت كلّ وجهة عنت ، أي : خضعت ، مستأسرة بعناء : يعني لمّا كان العرش الرحمني أول مظهر مثالي من جهة سطحه الخارجي ، وأول مظهر جسماني من جهة سطحه الداخلي الذي يلي الكرسي ، وكان الغالب عليه من كلتا جهتيه حكم الوحدانية كانت مظهريّته مضافة إلى التجلّي الأول الذي هو نوري وباطن الاسم الرحمن ، فهذا المظهر كان مضافا إليّ من جهة اختصاص هذا التجلّي الأول بي ، كما أن التجلّي الثاني مظهره الكرسي المضاف إلى من دوني من أرباب الكمال والخلفاء ، ولهذا كان آدم عليه السلام أسكن في هذا المظهر الذي هو أرض الجنّة . ولمّا كان هذا المظهر العرشي المضاف إليّ محيطا بجميع الأجسام علوّها وسفلها ، جليلها وحقيرها ، وصغيرها وكبيرها ، وهو من جهة إحاطته فوق كل الجهات وما فوقه شيء من جهة الصورة ؛ كما أن الظاهرية وهو التجلّي الأول ليس فوقه شيء من جهة المعنى ، أعني من التجلّيات المتعيّنة ، وكان في ذوقي وشهودي أن المظاهر عين الظاهر شاهدت في هذا المشهد ووجدت أنه لو دلى بحبل لهبط على اللّه ، ورأيت من هذا الوجه أني فوق كل تحت ، فكل فوق داخل في إحاطة مظهر نوري الذي هو العرش المحيط هو تحتي بلا شكّ وشبهة .

--> ( 1 ) رواه الترمذي في سننه ، باب ومن سورة الحديد ، حديث رقم ( 3298 ) [ 5 / 403 ] ؛ وأبو الشيخ في العظمة ، ذكر عرش الرب . . . ، حديث رقم ( 12 ) [ 2 / 560 ] .