محمد بن أحمد الفرغاني

47

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

وكما دخل أتباعي من المسلمين وحزبي من أهل البداية وخواص المؤمنين وشيعتي من الأبرار والصالحين للوصول إلى درجات المحسنين الذين مالوا إليّ ما نالوا من أرض الجنّة ورضوا بالتقيّد تحت تصرّفات سمائها فيهم واطمأنوا بها ، فكيف أكون أنا مثلهم في ميلهم إليها ودخولهم تحت تصرّفاتها مع أنها ملكي . ولا فلك إلّا ، ومن نور باطني ، به ملك ، يهدي الهدى بمشيئتي يعني : لمّا كان المقصد الأقصى والعلّة الغائيّة من تنزّل الوجود إظهار الكمالات الأسمائية وكمال كل اسم متعلق بأمرين ، أحدها : أن يظهر آثاره تماما ، والثاني : أن يشتمل على جميع الأسماء ويظهر حكم ذلك الاشتمال وأثره تماما ، وهذان الأمران متوقّفان على تميّز كل شخص إنساني يكون مظهر كمال ذلك الاسم ومظهر تمام ظهور آثاره ومظهر حكم ذلك الاشتمال المختصّ بذلك الاسم كان لهذا المعنى تميّز كل صورة من هذه الصور الإنسانية المتّصفة بهذه الصفة المذكورة ، وتصوّره مصحوب قصد تنزّل التجلّي الوجودي ، وكان التجلّي الوجودي منصبغا بأثر ذلك التميّز والتصوّر ، فكل ما أظهره التجلّي الوجودي من الأفلاك والكواكب والسماوات متمايزا ظهر حكم ذلك الانصباغ ، وقصد ذلك التميّز والتصوّر فيه ، وظهر لذلك الحكم صورة أيضا فيه ، فصار لكل إنسان من كونه مظهرا لكمال اسم ولتمام ظهور آثاره ولحكم اشتماله على جميع الأسماء صورة ظاهرة في كل سماء ، وفي كل طبقة من طبقات الأرض أيضا حتى أخبر خير الأمّة عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما في أثناء كلام طويل ما ينبئ عن هذا المعنى بقوله : حتى إن في كل طبقة من الأرض ابن عباس مثلي ، فكل شخص إنساني قدر سلوكه وتحقّقه بحقيقة اسم لذلك الاسم مظهر فلكي تحيي صورة ذلك الشخص الثابتة في ذلك الفلك ، وألّا يكون معطلة مهملة بالنسبة إليه . يقول : لمّا لم يكن فلك من الأفلاك من العرش إلى الفرش إلّا وفيه من نور باطني ظاهر ملك حيّ عالم قادر يهدي هدية الهداية إلى جميع الأملاك الساكنين في ذلك الفلك ، فيهتدون كلّهم بتلك الهداية إلى ما فيه كمالهم بإرادة ومشيئة سارية مني فيهم ، فكيف أدخل أنا من حيث كليّتي تحت تصرّف سماء الجنّة وحكمها كسائر أتباعي وشيعتي .