محمد بن أحمد الفرغاني

44

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

على الكل ، ثم تنزل هذا الرسول من هذه الحضرة الجمعية بعد قيامه بحق دعوته فيها ، وبعد تحقّق الأمر الإيجادي وقبوله خطاب كُنْ [ يس : الآية 82 ] ، فكان ظاهرا بصورة القلم الأعلى وتفصيل وجوده المجمل في حقيقة اللّوح المحفوظ بحكم أمر اكتب ما هو كائن ، فظهر بصورة الروحانيين من الملائكة وجميع الأرواح الإنسية والجنية وروحانية كل شيء ، فقام هذا الرسول من حيث صورته الروحية القلمية لدعوة هؤلاء الأرواح الملكية والجنّية والإنسية والروحانيات جميعها من جزئيّتها وتقيّدها إلى كلّيته ، وعيّن لها طريقا يقربها إلى هذه الكلّية ووظيفة من العبودة يعصمها بأدائها عن البعد عن هذه الكلّية والاشتمال على الكل ، وهداها إلى القيام نحو ذلك الطريق وأداء تلك الوظيفة ، ثم تنزل هذا الرسول في ضمن الأمر الإيجادي إلى العرش والكرسي ، وعيّن لروحانية كل واحد وكل جزء منها ، ولصورته أيضا طريقا مستقيما يقربها إلى الوحدة والكلّية ويبعدها عن الهوى إلى هاوية الجزئية والكثرة وهداها إلى وظيفته المختصّة به وإلى إظهار خاصيّته ، ثم تنزل إلى السماوات باطنا في الأمر الموحى به فيها ، وعيّن لها ولروحانيتها والملائكة النازلين بها وظائف تختصّ كل وظيفة بظهور كمال مختصّ بكل واحد منها وهداها إلى ما يخرج عن عهدة وظائفها ، فكانت رسالة هذا الرسول واقعة وثابتة من حال عهد المحبّة الذاتية المذكورة من قبل أن تتعيّن العناصر الأربعة التي هي النار والهواء والماء والتراب ، وقبل زمان يتعيّن ويتميّز كل واحد منها عن الآخر ، ثم تنزل هذا الرسول المذكور الذي هو السرّ الأحمدي ساريا في الأمر الإيجادي إلى العناصر ، وعيّن لكل واحد منها وظيفة توصله إلى ما اختصّ به من الكمال وتقيه عن النقصان والاختلال وهداه إليه ، ثم تنزل كامنا في سرّ الاعتدال إلى المركبات معينا لها به سبيل ما يوصل كل واحد إلى ما يخصّه من الكمال المناسب لمرتبته ويحفظه عمّا لا يليق بمنزلته ، وهداه إلى القيام بحقوق وظيفته هكذا في الجماد والنبات والحيوان إلى أن ظهر بلبسة الصورة البشرية الآدمية باطنا في كل فرد من أفرادها المتبوعة المسمّين بالأنبياء والرّسل ، وعيّن لكل واحد شريعة موصلة له ولمن تابعه إلى الجمعية والكلّية ، وكانت حقائق هؤلاء الرسل والأنبياء عليهم السلام كالصور التفصيلية الكلّية والأجزاء والتوابع لحقيقته التي هي حقيقة الحقائق ، فكان قد عيّن على الحقيقة لنفسه من حيثيّة كل جزء وتبع له كلّي بالنسبة مسمّى بالنبيّ والرسول ، ولتوابعه المدعوين شريعة يتبيّن بها استقامة سيرهم على