محمد بن أحمد الفرغاني

45

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

سنن الكلّية والجمعية ، وبدا لهم بآيات ومعجزات يستدلّ بها صور تفاصيله على صدقه ، وكل واحد ممن غلب على فطرته قبول هذه الدعوة من هؤلاء المدعوين كلّهم المذكورين الذين هم صور تفصيل الذات الأقدس ، يستدلّ بتلك الآيات بفطرته وقابليته على صدق دعوة هذا الرسول من حيث كل واحد من أجزاء حقيقته وكلّيته هكذا إلى أن ظهر بكسوة هذه الصورة البشرية المحمدية ، فيهدي كل شيء إلى ما فيه صلاحه وكماله هداية خفية من جهة الفطرة المضافة إلى ذلك الشيء ، إلى أن بعث في هذه الصورة المحمّدية وأنذر هذه الأمّة المرحومة بقرب البعث والنشور والتسيير إلى دار البعث والقيامة بقوله : « بعثت أنا والساعة كهاتين » « 1 » ، وأشار بأصبعيه المسبحة والوسطى ، فكانت رسالته أيضا باللّه قبل هذا البعث والإنذار الواقع في هذه الصورة المحمدية وبعده ، فكان صلى اللّه عليه وسلم رسولا من الأزل إلى الأبد ، وجميع المرسلين كانوا صور تفصيل حقيقته وخلفاءه ومظاهر تعيّناته ، وهو كان ظاهرا بهم وباطنا فيهم في نزولهم وعروجهم وولايتهم ونبوّتهم واهتدائهم إلى كمالاتهم الحقيقية كان بهدايته الباطنة فيهم ، فكان آدم ومن دونه تحت لواء كلّيته ومتبوعيّته ، وهم خلفاؤه وأتباعه . ولما نقلت النّفس من ملك أرضها بحكم الشّرا منها ، إلى ملك جنّة وقد جاهدت ، واستشهدت في سبيلها وفازت ببشرى بيعها ، حين أوفت سمت بي لجمعي عن خلود سمائها ، ولم أرض إخلادي لأرض خليفتي ضمير الهاء في منها يعود إلى حضرة المحبوب ، وفي بيعها إلى النفس ، وفي سمائها إلى الجنّة ، والتاء في جاهدت واستشهدت وفازت ضمير النفس ، ولام لجمعي والأرض بمعنى إلى الأولى لتعدية سمت ، والثانية لتعدية الإخلاد ، والباء واللام وعن كلّها متعلقة بسمت ، والبيت الثالث هو جواب لما ، وقوله عن خلود سمائها يعني عن سماء الجنّة الموصوفة بالخلود . يقول باللّسان المحمدي : ولما جرت المبايعة بيني وبين حضرة محبوبي بموجب إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ

--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه في بابين أحدهما : باب يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً ( 18 ) [ النّبإ : الآية 18 ] حديث رقم ( 4652 ) [ 4 / 1881 ] ؛ ومسلم في صحيحه ، في أبواب عدة منها : باب تخفيف الصلاة والخطبة ، حديث رقم ( 867 ) [ 2 / 592 ] ؛ ورواه غيرهما .