محمد بن أحمد الفرغاني

43

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

ومن عهد عهدي ، قبل عصر عناصري إلى دار بعث ، قبل إنذار بعثة إليّ رسولا كنت مني مرسلا وذاتي ، بآياتي عليّ ، استدلّت هذان البيتان ترجمة قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين » « 1 » ، يعني بين العلم الظاهر بصورة الماء في الكشف الصوري تارة ، وفي المنام أخرى ، وبين الطينة الآدمية ، فإنه لو كان المراد ههنا الماء الحقيقي لكان المناسب أن يقول : وآدم بين الماء والتراب ، فإن الماء أحد جزئي الطين . وتقدير البيتين : كنت مرسلا مني ، أي من حضرة أحدية جمعية ذاتي إلى نفسي من حيث تفرقة صور جمعها وتفصيل إجمالها من حضرة المعاني والعمائية إلى أنهى مراتب الأبدية ، وكان مبدأ إرسالي ذلك الرسول عند عهد محبّتي الذاتية في حضرة أحدية جمعي الذي كان ذلك العهد قبل زمان تعيّن عناصري التي تركّبت منها جميع الصور الحسّية ، ومنها الصورة البشرية الآدمية ، وكان مبدأ هذا الإرسال أيضا قبل تحقّق آثار الإنذار مني ، أي من صورتي البشرية المحمدية بالنشور والبعث والتسيير إلى دار البعث ، وذاتي من حيث صور تفصيلها المعنوية والروحية والمثالية والحسّية تستدلّ بآيات شروق أنوار حسن قابليّتها الفطرية على صدق قول هذا الرسول ، وما أخبر من كمالها وكلّيتها . يقول : هذا بلسان الجمع والتوحيد وخلاصته أن الحقيقة الأحمدية كانت من جملة تعيّنات الذات الجامعة هذه الذات بين كنه غيب الغيب ، وبين التعيّن والتجلّي الأول ووحدته المنتشئة منها نسبتا الواحدية والأحدية وجميع النسب المندرجة فيها ، وكان عهد المحبّة المعبّر عنها ب « أحببت أن أعرف » « 1 » واقعا من هذه الذات وجمعيّتها المذكورة ، وكان مقتضى هذا العهد أن تبعث هذه الذات الأقدس الأعلى هذه الحقيقة الأحمدية الجامعة سائر تعيّناتي هذه الذات الأقدس رسولا إلى سائر تفاصيلها الظاهرة في حضرة جمع الجمع المتصوّر بعضها بصور الحقائق والأسماء الإلهيّة المضافة إليها الفاعلية ، وبعضها بصور الحقائق الكونية الممكنة المضافة إليها القابلية متميّزا بعضها من بعض في هذه الحضرة بحسبها حتى يدعوها هذا الرسول من جزئيّتها ، وتقيّد كل واحد منها بوصف وحكم مخصوص إلى كليّته واشتماله

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .