محمد بن أحمد الفرغاني

38

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

يقول : كان الوجود الواحد الحق بموجب « كان اللّه ولم يكن معه شيء » « 1 » ، مع شهود الذات الأقدس نفسها في نفسها في المرتبة الأولى الأحدية الجمعية عين الذات عينا وحدانيّا باطنا غيبها عن نظر الأغيار لعدم الغير والغيرية هنالك ، ولمّا اقتضت حقيقة « فأحببت أن أعرف » « 1 » أن يظهر هذا الوجود بإظهار الأغيار لهم صار الوجود الوجداني الباطن الذي كانت نسبة وحدته وبطونه عينه بحكم المرتبة الأولى مشفوعا بوصف ظهوره المثبت حكم المغايرة بينه وبين موصوفه ، فكانت الشفعية حكم كون نسبة ظهور الوجود وصفا لا ذاتا ، وكونه وصفا هو حكم المرتبة الثانية الإلهيّة وما تحتها من المراتب الكونيّة ، وكان شاهد هذه الشفعية في هذه المرتبة الثانية كالنائم عن الإحساس بحقيقة وحدة الوجود الثابتة في المرتبة الأولى ، ولكن نومة خفيفة جدّا غير مغيبة له بالكلّية عن حقيقة وحدة الوجود . وأمّا شاهد الشفعية في المراتب الكونية ، فهو نائم نومة مغرقة مغيبة له عنها بالكلّية ، فشاهد الشفعية في نومته بحكمها حقيقية وعند شم بدوّ حكم الاتّحاد الحقيقي من جانب الحضرة الأحدية الجمعية يرتفع حكم الوصفية ويرجع النائم في مقيل المرتبة الثانية . وأمّا دونها من المراتب عن سنّته أو نومته وفي تيقّظه عنها يشهد في المرتبة الأولى أن شفع الوجود الذي كان ظاهرا ومشهودا له في غفوته أو نومته صار وترا بحكم الأحدية الجمعية ، فلم يشهد إلّا وجودا واحدا ، فلهذا كان مبدأ الصلوات النهارية باعتبار نزول الأمر من الغيب إلى الشهادة شفعا ، ومبدأ الصلوات الليلية باعتبار رجوع الأمر من الظاهر إلى الباطن كان وترا ، وانتهاؤها أيضا كان بالوتر ، وإنما كان العشاء شفعيّا باعتبار دوام لزوم التعيّن والإطلاق في ليل الغيب ، وإنّما كان رباعيّا باعتبار لزوم حكم السرّ الرباعي الأسمائي الأولي المفتاحي فيه وتربيع النهارية باعتبار تربيع مراتب كمال الظهور ، والصبح ثنائيّا بحسب نقصه في الظهور وقلّة خطه من مراتب النور . وإسراء سرّي ، عن خصوص حقيقة إليّ ، كسيري في عموم الشريعة أراد بخصوص حقيقة هذه الصورة الشخصية الإنسانية التي بها تخصّص ، وامتاز عن حقيقة النوع الإنساني .

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .