محمد بن أحمد الفرغاني

39

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

يقول : لما اتّحد ظاهري بباطني وصورتي بمعناي ، بل كل ذرة من وجودي اتّحدت بأختها الآن إسراء سرّي وباطني وروحي عن تعيّن هذه الصورة العنصرية التي تميّزت بها في نظر الأغيار عن غيري إلى حضرة أحدية الجمع هذه عارجا حتى يشاهد سرّي عين لذاتي ، ويتحقّق في ملك الحضرة بحقيقة الصلاة وسرّها ومعناها ، وبحقيقة الصوم والزكاة والحجّ وأسرارها ومعانيها التي ذكرتها آنفا ، فذلك الإسراء بعينه كسيري في عموم أحكام الشريعة وأداء صورة الصلاة ، وصورة الصوم ، وصورة الزكاة ، وصورة الحجّ ؛ فإني أشاهد في عين هذه الصور عين تلك المعاني ، وفي عين تلك المعاني عين هذه الصور بنتائجها وفوائدها ، وأشاهد في كل واحد عين الجميع وعين الذات الأقدس وعين كل واحد منها ، بلا مغايرة ولا غيريّة . ولم أله باللّاهوت عن حكم مظهري ولم أنس بالنّاسوت مظهر حكمتي لم يرد لفظ اللّاهوت والناسوت في كلام العرب ولا في الشرع ، قيل : إنهما من موضوعات النصارى حيث استعملوهما ، وأراد باللّاهوت سرّ الإلهيّة ، وبالناسوت الطبيعة ، وقالوا : إن اللّاهوت كما هو تلبّس بالناسوت ، ودخل فيه وكفروا بهذا التقييد والحلول ؛ كما قال تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [ المائدة : الآية 17 ] ، وأوّل من استعملهما من أرباب التلوين من الأولياء النوري - رحمهم اللّه - فيما نقل عنه أنّه قال : سبحان من أظهر ناسوته * سرّ سنا لاهوته الثاقب حتى بدا في خلقه ظاهرا * في صورة الآكل والشارب « 1 » ثم استعملهما الحلّاج وقال مناجيا ربّه حالة القتل والصلب : اللّهمّ إنك أنت المتجلّي من كل جهة ، المتخلّي عن كل جهة بحق قيامك بحقّي وقيامي بحقك ، وقيامي بحقّك يخالف قيامك بحقي ، لأن قيامي بحقك ناسوتية ، وقيامك بحقّي لاهوتية ، وكما أن ناسوتيتي مستهلكة في لاهوتيّتك غير ممازج لها ، فلا هوتيّتك مستولية على ناسوتيتي غير مماس لها ، وبحق قدمك على حدثي ، وحق حدثي

--> ( 1 ) هذان البيتان ينسبان للحسين بن منصور الحلاج المتوفّى سنة 309 هجرية وتتمتهما : حتى لقد عاينه خلقه * كلحظة الحاجب بالحاجب ( الموسوعة الشعرية ، المجمع الثقافي ، أبو ظبي ) .