محمد بن أحمد الفرغاني

25

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

والنجوى : اسم للسرّ وأصله المصدر كالنجو ، والكلّ : هو الضعف الحاصل في آلات النفس لكثرة الاستعمال ، والإعراب : الإفصاح ، والبيت جملة شرطية جزاؤها الثاني ، والباقي عطف عليه . يقول : إذا حمل الطفل الصغير على الأنين والحنين كربة وشدّة من شدّ القماط فأنّ وحنّ بطريق الشوق والميل إلى انكشاف الغمّة الواقعة به من إفراط كربة الشدّ والقيد ويكلّمه مربيه ورضيعه بصوت معتدل ونغمة طيبة ، فيلقي عن نفسه بتلك المناغاة شدّة كل ضعف وملال حاصل له من ملاقاة ذلك القيد ، ويستمع لصوت مناغيه مثل رجل عاقل بالغ ينصت لقول من يكلّمه وحلاوة خطاب ذلك المناغي وطيبة صوته ونغمته الرخيمة تنسيه مرارة ما نزل به من عظيم أمر القيد والشدّ ، ويذكره صوته الطيّب وخطابه الوحداني المعتدل بوحدته وعدالته سرّ عهود قديمة نحو خطاب أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : الآية 172 ] الوحداني ، وما فوقه من خطاب كُنْ فَيَكُونُ [ الأنعام : الآية 73 ] ، ويبيّن هذا الطفل الصغير بحاله المذكور من الإصغاء إلى المناغي ، وإلقاء الكلال والملال بواسطة صوت المناغي ونسيانه آلام الشدّ والقيد بذلك ، وتذكره سر العهود القديمة وسكونه من اضطراب الأنين والحنين بسبب تحريك مهده عن حال السماع والرقص فيه ، فيثبت بهذا انتفاء النقص عن الرقص ، وما قاله المحجوبون أن الرقص نقص ينتقض لما ذكرنا ، فإنه إذا جاز ووقع أن نفسا لم تصل بعد إلى كمال مطلوب وإلى فهمه وإلى التمييز بين الكمال والنقص وعدم تلبّسه بحالة شريفة عن علم وخبرة منه تتعسّر من صوت معتدل ونغمة طيّبة لمناسبة وحدة وعدالة مقرونة بذلك الصوت والنغمة ، وينسى به كل ما يجده من الألم والشدّة ويستريح به ويتنصّت له ، فبالحريّ أن تتأثر نفس نفيسة متحقّقة بشرائف الحالات وكرائم الكمالات والتخلّق والتحقّق بحقائق الأسماء والصفات لمناسبة تناسب وعدالة يتضمّنه ذلك الصوت أو الآلة ، وفهم ما هو مقرون بذلك من المعنى الوحداني المناسب لوصفه الوحداني ، ويعرض بغلبة حكم تلك العدالة والوحدة عليه عن عالم الكثرة إلى عالم الوحدة ، وبموجب أثر المجاذبة الواقعة بين روحه ومزاجه وميل كل واحد منهما إلى مركزه تظهر الحركة من صورته إلى فوق وتحت في الرقص ، أو تتحرك بهيئة دورية بحكم إرادة تتميم دائرة الأوّلية والباطنية اللتين نسبة جهة الفوقية إليه أتمّ ، والآخرية والظاهرية اللتين نسبة جهة التحتية إليهما أحقّ ، ومن جهة أن مقتضى وقته حالتئذ ترك العلائق