محمد بن أحمد الفرغاني

26

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

ونفض غبار الغيريّة والخلقية عن أذيال الحقية بتحرك يداه ، ولتحقيق السير في عين طريق الطلب والمطلوب بتحرّك رجلاه ، فيكون مثل الرقص نقص بالنسبة إلى مثل أصحاب هذه الأحوال منفيا غير مطابق . إذا هام شوقا بالمناغي ، وهمّ أن يطير إلى أوطانه الأوّليّة يسكّن بالتّحريك ، وهو بمهده إذا ، ماله أيدي مربّيه ، هزّت يشير بأوطانه الأولية إلى اللوح المحفوظ الذي هو مجمع الأرواح الجزئية جميعا ، ثم إلى حضرة إطلاق الوجود الظاهر التي هي أصل جميع التعيّنات الوجودية وجميعها من فيضه وشعاعه ، ثم إلى الحضرة العلمية التي جميع المعلومات والحقائق وصور معلومية كل شيء ثابتة فيها ، ثم إلى الحقيقة الواحدية التي جميع النسب مندرجة فيها ، وحقيقة هذا الطفل والوجود المضاف إليه وروحه لم ينصبغ بعد بأحكام العادات واختلاف الأماني والمرادات ، وهو قريب العهد من الفطرة الأصليّة ؛ لا جرم يتذكر بأدنى إشارة من أثر الوحدة والعدالة من حيث روحه وحقيقته وباطن حقيقة أوطانه الأولية التي ذكرناها ، وهمّ أن يطير فيسكن اضطرابه ذلك بتحريك مهده ، فإنه يزعم أن تلك الحركة توصله إلى وطنه ، ولمّا فرغ من إقامة الدليل على مدعاه على طريق التمثيل رجع إلى إتمام تقرير حاله في السماع ، فقال : وجدت ، بوجد ، آخذي عند ذكرها بتحبير تال ، أو بألحان صيّت كما يجد المكروب في نزع نفسه إذا ما له رسل المنايا توفّت الوجد ههنا وجدان السائر في الحال ما كان غالبا من الأوصاف الحقية منه على الأوصاف الخلقية فيه ، بل معيّنا إياها بتلك الغلبة ، والتحبير منها تزيين الصوت وتحسينه ، والمكروب هو المحتضر الذي ضيّق مجاري نفسه ، والتوفّي هنا بمعنى الإماتة ، نحو قوله تعالى : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا [ الأنعام : الآية 61 ] ، والضمير في له راجع إلى المكروب ، وما ههنا زائدة تقديره : إذا توفت له رسل المنايا ، وباء بوجد بمعنى في . المعنى : لمّا علمت أن مبنى أمر الظهور والإظهار والتكوين وصفان ، أحدهما : وصف الوحدة الظاهرة بالروح الروحانية ، والثاني : وصف الكثرة المظهر بالنفس ، وأن وصف الوحدة يجذب الروح إلى عالم الشهود ، وأن وصف الكثرة