محمد بن أحمد الفرغاني

24

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

والواو الداخلة في الشرط للحال من الضمير المستكنّ في فعل نشأ العائد إلى الوليد ، والإلهام أحد ضروب الوحي وهو إلقاء الشيء في الخلد ، فإن الوحي على أربعة أضرب ، وإنه في أصل اللغة إشارة سريعة ، وفي استعمال الشريعة كلمة إلهية ملقاة من الحقّ تعالى إلى أنبيائه أو أوليائه . وهذه الكلمات إما أن تلقى عن علم يقيني بملقيها أو بلا خبرة بملقيها ، فالثاني هو الإلهام وهو المعبّر عنه بالهداية في قوله تعالى : الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : الآية 50 ] ، والأول إمّا أن يكون بوساطة جبريل عليه السلام على التعيّن للتشريع ، وهو المختصّ بالأنبياء عليهم السلام ، وإمّا بواسطة غيره من الملائكة وهو غير مختصّ بالأنبياء عليهم السلام . وإمّا أن يلقى بلا واسطة وهو أعلاه ؛ كنبيّنا وموسى عليهما السلام أحيانا ، والمشبه به في البيت هذه الأقسام الأخيرة . يقول : إن الطفل الصغير المشدود يداه ورجلاه في المهد يخبرك بحاله ووجده الذي هو الإلهام والفطنة الحاصلان له بالفطرة اللازمة لوجوده بموجب أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : الآية 50 ] ، وإن كان حاله عند كبره البلادة لكن ينبيك في صغره بهذا الإلهام والفطنة الفطريين اللذين هما مثل الوحي الواصل إلى البالغ الكامل في الإخبار بالحال عمّا هو الواقع لا من حيث كسبه وعقله عن صحة حالي في السماع ، ووجدي من الصوت الطيّب المعتدل والنغمة اللّطيفة وعن رقصي فيه ، فإنه عند إفراط كربة القيد والشدّ عليه وشدّة ملازمته على هيئة واحدة مستلقيا على قفاه يحس بذلك ويئنّ ويضطرب ، فإذا ناغاه رضيعه بصوت طيّب وحرك مهده يصغي إلى تلك المناغاة وينصت لها ، ويسكن من اضطرابه وأنينه . إذا أنّ من شدّ القماط ، وحنّ ، في نشاط ، إلى تفريج إفراط كربة يناغي ، فيلغي كلّ كلّ أصابه ويصغي لمن ناغاه ، كالمتنصّت وينسيه مرّ الخطب حلو خطابه ويذكره نجوى عهود قديمة ويعرب عن حال السّماع بحاله فيثبت ، للرّقص ، انتفاء النقيصة القماط : ما يشدّ به الطفل في مهده من الثياب وغيره ، والمناغاة : تكليمك الصبي بما يسرّه ويحدّ له ، والخطب : الأمر العظيم الذي تكثر المخاطبات فيه ،