محمد بن أحمد الفرغاني
23
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
يقول : وليس ذلك التجاذب المذكور إلا النفسي من حيث الأثر الروحاني المحمول في قوّة الحيوانية تذكرت من ذاتها التي هي الهيئة الاجتماعية المذكورة حقيقتها وأصلها التي هي الروح الروحانية حين أوحت حضرة المحبوب إليها في ضمن عدالة صوت ذلك المغني ووحدة معنى يتضمّنه ذلك الشعر الذي أنشده ، وفهمت من ذلك الوحي خطابا ، ولكن مشوبا ومتلبّسا بلباس الحروف والأصوات وكثرتها ، فاشتاقت ومالت إلى تحديد الخطاب عن تلك الملابس المختصّ ذلك الخطاب المجرّد بحقيقتها التي هي الروح الروحانية ، وهو الذي سمعته في مبدأ الأمر الإيجادي ، أعني خطاب كون المجرد عن ملابس مواد الحرف والصوت المركب ، وهي أعني نفسي نازلة حالة هذا الحنين ببرزخ التراب ، أعني هذه الصورة العنصرية الترابية التي هي بوصف عدالتها برزخ جامع بين حكم وصف الوحدة ووصف الكثرة ، أو حنّت واشتاقت لتجريد خطاب أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : الآية 172 ] الواقع ذلك الحنين مني ببرزخي المذكور فهمّت نفسي المذكورة في حال تعلقها بهذا البرزخ الترابي أن تلحق بحقيقتها وأصلها ، أعني عالم الروح الروحانية ، وكل واحد من قوى هذا البرزخ الترابي آخذ بأزمّتها ، فهي تجذب نفسها إلى العروج والقوى يجذبها إلى النزول ، فتجد كربا وشدّة مثل شدّة حال نزع الميت وكربه ، وذلك معنى قوله : فكل آخذ بأزمّتي ، أي أعنّتي . تنبيه : إنما ألتفت عن البيان بلسان الجمع إلى التقرير بلسان التفرقة ؛ لأن مقصوده بعد تقرير تطابق المثالين وتحقيقه تقرير صحة حالة السماع والمجاذبة الحاصلة فيه ، وذلك لا يكون إلّا بالنسبة إلى المتوسّطين والمبتدئين من أصحاب الأحوال دون المتمكّنين وخصوصا في آخر مقامات التمكين في التلوين الغيبي المختصّ بالمقام المحمدي ، وحيث كان غالب حال أهل السماع ووقوع هذا التجاذب لهم فيه إنما هو التقيّد بالتفرقة ؛ لا جرم التفت إلى النزول إلى مقامهم والتقرير بلسانهم ، ثم إنه مثل في باب السماع مثالا يتبيّن به صحة السماع والرقص والوحدة في أبيات أوّلها هذا . وينبيك عن شأني الوليد ، وإن نشا بليدا ، بإلهام كوحي وفطنة الوليد : هو الذي قرب عهده من الولادة ، والبليد : المتحيّر المتردّد في أمره لا يهتدي إلى فهم ما هو الصواب منه ، والباء في بإلهام للوساطة متعلقة بينبئك ،