محمد بن أحمد الفرغاني

21

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

المفعول الأوّل محذوف ، ومفعوله الثاني من جار ومجرور أيضا محذوف ، وهو إلى قلبي . يقول : لمّا كان قلبي جامعا وواسطة بين روحي ونسبي وآثارهما وصفاتهما كان ذكر الوارد بوساطة رسل الجوارح المذكورة يرد أولا إليه ، وهو يوحيه ويلقيه بوصف وحدته إلى الروح وصفاتها الباطنة في الباطن ، وما كان منه يناسب وصف الكثرة بوصله إلى نفسي ، ويحصل من عين حضرة المحبوب مثلان ، فهما يتطابقان . ويحضرني في الجمع من باسمها شدا فأشهدها ، عند السّماع ، بجملتي مراده من الجمع ههنا : جمعية القلب الذي هو برزخ جامع بين النفس وجميع خواصّهما وصفاتهما ، وكل ما يصل إلى الروح من آثار أحكام الوحدة ، أو إلى النفس من آثار أحكام الكثرة فبواسطة القلب يصل كما ذكرنا في البيت السابق من وساطة القلب بإيجابه إلى الروح عين الذكر الحاصل من الحواس الظاهرة . يقول : وإذا كان الأمر كما تقرّر ، فاعلم أنه إذا غنّى مغنّ وجلى اسم حضرة المحبوب وذكره في مجلى عدالة صوته ووحدة معنى ما غنّى به يسوقني بمقرعة عدالة صوته وسوط وحدة معناه من عالم الكثرة والتفرقة إلى حضرة جمع القلب ويحضرني فيها ، فأشهد حضرة المحبوب المتجلّي في القلب التقيّ النقيّ الوادع بجملة صفات ظاهري وباطني المجتمعة في قلبي خلاصتها ، وبجملة روحي وجملة نفسي ومزاجي ، ويحظى كل واحد لما يناسبه ، فالروح بأحكام وصف الوحدة والنفس والمزاج بآثار وصف الكثرة المنسوب كلاهما إلى حضرة ذات المحبوب ، فيجرّ وصف الوحدة الروح إلى العروج إلى فضاء مقرّها ويجذب وصف الكثرة النفس والمزاج إلى النزول إلى مستقرّها . فينحو سماء النّفح روحي ومظهري ال مسوّى بها ، يحنو لأتراب تربتي الحنوّ : الميل بالشفقة ، والأتراب : الأخدان ، المسوّى بها ، أي : بيد حضرة المحبوب المعنيّة بقوله : فإذا سوّيته . يقول : فتتوجه روحي نحو علوّ عالم النفخ بلا واسطة ، يعني عالم ارتفاع الوسائط الغالب عليه حكم وصف الوحدة ، وبجذب الصورة معها بحكم علاقة