محمد بن أحمد الفرغاني
19
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
النفس بالآلة ، وليس للحضرة المحبوبية بها تعلق فارغب عنه واتركه وأخل ضميرك واعتقادك عنه ، وتوجّه إلى ما أقوله خاليا عن جميعها حتى تحيط بفهم ما أقوله وأبيّنه لك ، ففي حال هذا الإعراض عمّا علمت بطريق الدراسة تنبّه لما ينقله الحسّ ، أي الحواس الخمس لكل ما أظهرت حضرة المحبوب للنفس من تلك المحسوسات بطريق الإلهام المدرك ببديهة الحسّ ، يعني كل ما يتضمّنه المحسوس من الهيئة والضوء والخاصّية لمدركة ، بلا وقفة ولا كلفة ، فإدراكه لا يكون إلّا بالإلهام الحاصل من قبل الحقّ تعالى لذلك المدرك ، فيدركه بذلك الإلهام بلا كلفة ولا وقفة بحيث لو انقطع عن ذلك المدرك أثر ذلك الإلهام لا ينقطع إدراكه لذلك ، فلهذا قال : ما أبدت بوحي البديهة ، فإضافة الوحي إلى البديهة يكون إضافة الجنس إلى نوعه نحو ماء مطر ، ونحو ذلك . لروحي يهدي ذكرها الرّوح ، كلّما سرت سحرا منها شمال ، وهبّت اللام في لروحي ، بمعنى إلى متعلقة بيهدي حرف تعدية ، مفعوله الثاني ومفعوله الأول ذكرها ، وفاعله الروح الذي هو نسيم الريح ، والضمير في ذكرها يرجع إلى حضرة المحبوب ، وكذا في منها أي من لطفها . يقول : كلّما سرت شمال وقت السحر وهبّت من مهبت لطف حضرة المحبوب متحمّلا روحا ، أي نسيما ذا رائحة طيبة ونكهة شذيّة يهدي ذلك النسيم الطيّب ذكر حضرة المحبوب إلى روحي كان ذلك الروح يكلم الروح ويحدثها بذكر تلك الحضرة ، فتشهدها روحي بذلك الذكر ، ويحصل منها مثال في روحي ونفسي في تلك الحالة . ويلتذّ إن هاجته سمعي ، بالضحى على ورق ورق ، شدت ، وتغنّت فاعل يلتذّ سمعي والضمير في هاجته راجع إلى ذكرها المذكور في البيت السابق ، والباء في قوله : بالضحى بمعنى في متعلقة بتغنّت ، وظرفه وفاعل هاجته ورق جمع أورق ، وهي الحمامة وهاجته بمعنى هجته لم يرد ثلاثية إلّا لازما ، وهو قل عداه للضرورة ، وذكر الورق وأراد به العصف بطريق إطلاق اسم الملزوم على اللازم . يقول : إذا صاحت وتغنّت حمامة في ضحوة نهار على غصن بصوت حزين ونغمة شجيّة ميلا إلى أليفها وشوقا إليه ، وهجت تلك الحمامة بصوتها الحزين