محمد بن أحمد الفرغاني

10

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

استعداد مجعول وهو ما يكتسب بالوجود في كل آن ، فإنّ الإنسان كل آن متغيّر من حال إلى حال أخرى ، ففي كل حال يستعدّ لأمر آخر غير ما كان عليه في الحال الذي قبله ، واستعداد غير مجعول بجعل جاعل ، بل وصف للحقيقة الممكنة ذاتي لها ، وهو في الحقيقة سراية أثر « فأحببت » في العين الممكنة ، وأثر طلبه الحكم الإيجادي الساري في كل حقيقة ممكنة من الأسماء الأول المسمّاة لمفاتيح الغيب بصورة قبول ذلك الحكم ، وهذا الاستعداد وأثر السراية دائم الثبوت في حضرة العلم الأزلي من غير كسب من الحقيقة الممكنة لذلك ، وبهذا الاستعداد قبل القلم الأعلى واللوح المحفوظ بما اشتملا عليه من الحقائق الممكنة الوجود من موجدها ، وهو المراد بقوله : وجادت حضرة المحبوب بفيضها الوجودي حال عدم كون استعداد مضاف إلى كسب أصلا ، وحضرة المحبوب أيضا هي بعينها في عين حال جودها بالفيض الوجودي وجدت من نفسها إعدادا لقبول فيضه قبل أن يتهيّأ لذلك القبول بأمر آخر وجودي ، فكان الفعل والقبول مضافين إلى عينها الوحدة وهما عين وصفية الذاتين المذكورتين اللتين ظهر أحدهما بالروح ، وثانيهما بالنفس . فبالنّفس أشباح الوجود تنعّمت وبالرّوح أرواح الشهود تهنّت إضافة الأشباح إلى الوجود والأرواح إلى الشهود إضافة خصوصية ، نحو قولك : صاحبي وممدّي ومؤنسي ، ويحتمل أن يكون على حذف المضاف ، يعني أرواح أهل الشهود . يقول : ولمّا كان وصف الكثرة والقابلية ظاهرا بالنفس وسائقا الوجود المفاض إلى رفقاء ممكنة النفس التي هي صور تفاصيل حقيقتها الممكنة ، حتى صار كل حقيقة منها بما ساقه وصف الكثرة إليها من الوجود بواسطة النفس منصبغا بصبغة شبح وصورة مثالية وحسّية أضحت تلك الصور بالنفس ، أي بما ساقه وصف الكثرة بوساطتها إليها من الوجود أوّلا بالإيجاد ، ثم بالإمداد مع الآنات متلذّذة ومتنعّمة ، فلا نعمة ولا لذّة أسنى وأهنى من الوجود ، وكذلك لمّا كان وصف الوحدة الذي بدا بالروح غدا يهدي شهود الروح والأرواح الملكية والإنسانية إلى حضرة شهود الذات نفسها مجملا ومفصّلا في أفق الروح ؛ لا جرم صارت الأرواح المنسوبة إلى حضرة الشهود لكون حقائقها وبواطنها متعلّقة بتلك الحضرة أو أرواح أهل الشهود بوساطة الروح الأعظم في عيشة مهنّأة طيبة بأثر ذلك الشهود وروح ذلك العلم .