محمد بن أحمد الفرغاني
77
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
ظهورها وتفصيلها في النشأة الأخرويّة ، فلهذا المعنى كان إسرافيل مظهرا للحياة لما قلنا ، والإقساط مندرج فيها لحكم جمعيّتها للجميع أصلا وفرعا . وأما جبريل ، فكان من اللّوح المحفوظ مظهرا لركن العلم ، ولهذا كان حاملا للوحي المشتمل على أنواع العلوم ودرجاتها ومعلما حيث قال تعالى : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ( 5 ) [ النّجم : الآية 5 ] على قول وواسطة لتكون عيسى من حيث إنه كلمة الحق وعلم للساعة ، فكان مظهرا للعلم والقول أيضا ، فكان من حيث مظهريّته للعلم يسمّى بروح القدس ، ومن حيث مظهريته للقول يسمّى بالروح الأمين ، فكان له جهتان وحكمان كإسرافيل عليهما السلام ، فهو أي جبرائيل من حيث ظاهره الغالب عليه حكم الوجود مظهر القول ، فإنّ القول صورة النفس الذي هو عين الوجود ، ومن حيث باطنه الغالب عليه حكم العلم صار مظهرا له ، فتنبّه لهذا السرّ الشريف تفز بخزائن المعرفة ، واللّه المرشد . وأمّا ميكائيل ، فكان مظهرا لركن الإرادة ، فإنه مرتبة لما فيه بقاء الخلق من الرزق المعنوي والصوري علما وفهما وغداء وهميّا ، كالجاه والحشمة وحسيّا كالمال والنعمة ، فكان مظهرا للإرادة والجود مندرج فيها لتوقف بقاء حكم إرادته عليه . وأما عزرائيل ، فكان مظهرا لركن القدرة ، فإنه يقهر الجبابرة ويدلهم بالموت والفناء غير ممانع ، ولا مدافع لكمال تحقّقه بصورة القدرة ، وكما أن جميع الحقائق الإلهيّة والكونية من توابع هذه الأربع ، فكذلك جميع الأرواح والملائكة من توابع هذه الملائكة الأربع وقواها بعد القلم والمهيمة الذين هم العالون الذين لم يدخلوا في حكم الأمر بالسجود لآدم لكمال هيمانهم في جلال جمال الحقّ جلّ جلاله ، كما أشير إلى ما قلنا في قوله : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ [ ص : الآية 75 ] والتفرّعات الحاصلة منهم كالتفرعات الحاصلة في تلك الحقائق المعنويّة في الحضرة العلمية . ثم إن جميع ما اشتمل عليه اللّوح المحفوظ من الأرواح الكلّية والجزئية ، وما فوقهم من المهيمة منقسم إلى ثلاثة أقسام : قسم مقيّد بعدم مظهر طبيعي مثالي أو عنصري حسّي ، وقسم مقيّد بالمظهر ، وقسم غير مقيّد لا بالمظهر ولا بعدم المظهر . أمّا الأول ، فمنهم الأرواح المهيمة . وأما الثاني ، فهم صنفان : صنف يضاف إليهم المظهر لا هم إليه وهم ملائكة السماوات والأرض الذين يضاف الأمور والآثار إليهم وهم كقواهم المعنيين بقوله