محمد بن أحمد الفرغاني

78

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

عزّ من قائل : فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً ( 4 ) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً ( 5 ) [ النازعات : الآيتان 4 ، 5 ] ، وَالذَّارِياتِ ذَرْواً ( 1 ) [ الذاريات : الآية 1 ] ، فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً ( 4 ) [ الذاريات : الآية 4 ] ، إلى غير ذلك . والصنف الثاني : ما يضافون هم إلى المظاهر ، وذلك كالأرواح الإنسانية المضافة إلى صورها وأمزجتها ، فكل إنسان روحه متعيّنة من حضرة اللوح المحفوظ إمّا من حيث عينها ، وإمّا من حيث تعيّناتها التي هي الأصول ، وإمّا من حيث ما هو متفرّع من هذه الأصول أو من فروعها وفروع فروعها وهلمّ جرّا ، وهي سابقة على تعين مزاجه العنصري ، وإنما يتعيّن بعد تعين المزاج نسبة ظهور هذه الروح بصورة التدبير المسمّاة بهذه النسبة بالنفس المطمئنّة المنفوخة فيما تعين منه من هذه الروح المنسوبة إلى مظهريّة الحضرة الإلهيّة ، فافهم . وكذلك روحانية كل شخص كان ما كان من جماد ونبات وحيوان ، ومنها الصور الجنية المقيّدة بمظاهر نارية . وأمّا القسم الثالث الذين لا يتعبّدون بالمظهر ولا بعدمه ، بل لهم أن يظهروا حيث شاؤوا من المظاهر وعدمها ، فهم الرسل والسفراء بين الحقّ وبين خلقه المعنيّون بقوله تعالى : رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ [ فاطر : الآية 1 ] ، فإن كل واحد من هؤلاء له قوتان ، ولا بدّ يطيرون بهما في فضاء أمر الحقّ وقربه تعالى وتقدّس ، إحداهما : قوّة علمية آخذه من موجده تعالى ، والثانية : قوة عملية عاملة بموجب ذلك العلم تخلّقا لنفسه ، فهاتان القوتان عبّر عنهما بالجناحين ، وربما يزيد اللّه لبعضهم جناحا آخر ثالثا ، وهو تعليم غيره ما علّمه ؛ كما قال تعالى : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ( 5 ) [ النّجم : الآية 5 ] ، وقد يزيد لبعضهم جناحا آخر رابعا هو العمل لغيره بإذن ربّه وأمره تعالى وتقدّس ؛ كما قال تعالى : يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [ غافر : الآية 7 ] ، فهذه الأربعة كلّيات قواهم وأجنحتهم . وأما جزئياتها المرادة بقوله : يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ [ فاطر : الآية 1 ] ، فغير محصورة ، وما ورد في بعض الأخبار أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم رأى جبرائيل عليه السلام وله ستمائة جناح « 1 » ، فذلك مما زاد اللّه في خلقه إلى ما لا يتناهى ، تدبّر هذا الفصل تحظ بأسرار عزيزة المنال جدّا ، واللّه المرشد .

--> ( 1 ) رواه البخاري في أبواب عدة منها : باب قوله تعالى : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ( 10 ) [ النّجم : الآية 10 ] ، حديث رقم ( 3060 ) [ 3 / 1181 ] ؛ ورواه مسلم في صحيحه ، باب في ذكر سدرة المنتهى ، حديث رقم ( 174 ) [ 1 / 158 ] ؛ ورواه غيرهما .