محمد بن أحمد الفرغاني
76
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
فصل وإذا علم فيما سبق أن نسبة حقيقة اللّوح المحفوظ إلى التعيّن الثاني المسمّى بمرتبة الألوهة أقوى ، كما أن نسبة القلم إلى التعيّن الأول أشدّ ؛ فكما أن الغالب على التعين الأول حكم الإجمال والوحدة ، كذلك غلب على حقيقة القلم ذلك الحكم فلم يقبل الوجود المفاض عليها إلّا مجملا ، ولغلبة حكم التفصيل على التعيّن النسبي الثاني قبلت حقيقة اللّوح المحفوظ بواسطة القلم ذلك الوجود المجمل مفصّلا ، ولمّا كان التعيّن الثاني المسمّى بمرتبة الألوهة له أربع أركان من الحقائق الإلهية وثلاثة لوازم ، وهي تتمّات وشروط في ظهور تمام أحكامه وآثاره ، وهي الأصول السبعة الأئمّة المذكورة . فأمّا أركانه ، فهي الحياة والعلم والإرادة والقدرة ، فإن التأثير إنما يصدر عن حي يعلم شيئا في نفسه وأراد ظهوره وكان قادرا على ذلك ، فحينئذ يكون بعلمه وإرادته كالأمر نفسه بأن يظهره فأظهره ، فيكون القول صورة الأمر لشيء يعلم فيراد إيجاده ، ففي إيجاد الأرواح كان القول ركنا ، والقدرة تتمّة له وشرطا وفي الأجسام بالعكس ، ولهذا كان عالم الأرواح يسمّى بعالم الأمر ، فافهم . أمّا الجود ، فإنه شرط ظهور أثر القول عند إرادة الإيجاد ، فإن إفاضة الوجود بالاختيار لا يكون إلّا عن جود بوجود ، فهاتان الصفتان شرطان للحكم والأمر الإيجادي المتعيّن صدوره من هذا التعين الثاني ومرتبة الألوهة بسراية المفاتيح في الأسماء وظهوره منها بصورة الفاعلية . وأما الإقساط ، فهو شرط في ذلك ، ولكن بسراية المفاتيح في القوابل وظهورها من ورائها بصورة قبول الحكم والأمر الإيجادي للتكوّن ، فلا جرم عين الاسم الباري في اللّوح لكل واحد من هذه الأركان مظهرا خاصّا وصورة روحانية مع حكم اشتمال كل واحد منها على آثار الباقي ، فكان إسرافيل مظهرا لركن الحياة الكلّية الجملية الأصلية المشتملة على جميع الكمالات والإحساس بكلّيتها وجملتها ، ولهذا كانت الحياة الأبدية الأخرويّة متعلقة بنفخته الثانية في الصور الذي هو محل الصور الطبيعية والعنصرية وأصلها ومجمعها علوّا وسفلا المرسلة تلك النفخة الموجبة لحياة الخلق وقيامهم ناظرين فيما يبدو من إشراق أنوار الحضرة الربوبية بلا وسائط وأسباب يوم القيامة . وأما النفخة الأولى منه فيه ، فإنما يكون بإصعاد النفخ وإرجاعه من الظاهر إلى الباطن لينتهي حكم الحياة الدنيوية بالكليّة ، ويرجع إلى أصلها ثم يبتدئ حكم