محمد بن أحمد الفرغاني
75
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
مفصّلة بحيث لا يفوته شيء مما يدخل في الوجود إلى انتهاء يوم القيامة ، وسمّي بهذا الاعتبار بكل شيء المعني بقوله تعالى : وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [ الأعراف : الآية 145 ] . ووجهه الثاني : توجّهه إلى موجده وأخذه المدد منه ، وذلك على وجهين ، أحدهما : بلا واسطة ، وهو بهذا الاعتبار سمّي روحا مضافا إلى الحضرة الإلهية مفاضا من النفس الرحمني بلا واسطة ، وهي التي منها تنفخ الأرواح المضافة إلى الكمّل بلا واسطة ، وإلى غيرهم بواسطة روح منه جزئي مسمّى بالملك . والوجه الثاني : وهو الثالث بواسطة القلم الأعلى ، وهو بهذا الوجه يسمّى لوحا محفوظا . ووجهه الرابع : تنزّله وظهوره من حيث بعض ما اشتملت عليه حقيقته وذاته منفصلا متصوّرا في ذلك التنزّل والظهور بصور مثاليّة وحسّية بسيطة ومركّبة عرشا وكرسيّا وسماوات وأرضين وما بينهما من الأملاك والأفلاك والكواكب والعناصر والمولدات معدنا ونباتا وحيوانا وإنسانا ، وذلك لتحقيق كمال الجلاء والاستجلاء ، وهو يسمّى بهذا الاعتبار بالكتاب المبيّن الفعلي المعني بقوله : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ الأنعام : الآية 59 ] ، وبقوله تعالى : طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ ( 1 ) [ النّمل : الآية 1 ] . ووجهه الخامس : توجّهه بوصف التدبير والتكميل لما تفصل منه وظهر بصور الموجودات المثالية والحسّية المذكورة فيدبّر ويحفظ ويكمل الكلّي بصفة كليّة ، والجزئي بوجه جزئي ، وبهذا الاعتبار يسمّى بالنفس الكلية ، وهذا الوجه متوجّه إلى التدبير بصورتين : أحدهما : بصورة الكلية وهو بهذا الاعتبار نفس الكل من الأنبياء والأولياء غير نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم ، فإنّ نفسه الناطقة المدبّرة لصورته المطهرة هي وجه تفصيل القلم الأعلى ما أخذه مجملا في اللوح المحفوظ بأمر اكتب ما هو كائن ، وإليه الإشارة بقوله صلى اللّه عليه وسلم عند القسم : « والذي نفس محمد بيده » « 1 » ، والصورة الثانية : هي النفس الجزئية المدبّرة للأشخاص العنصرية الجزئية ، وحيث كان لهذا اللّوح المحفوظ هذه الوجوه الستّة صارت جهات العالم الذي تفرّع منه ستّة فوقا وتحتا ويمينا وشمالا وقداما ووراء ، وسابعها جمعها لجميع هذه الوجوه .
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .