محمد بن أحمد الفرغاني

74

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

ماهيّة القلم الأعلى إلى التعين الأول الغالب عليه حكم الوحدة والإجمال وخفاء تميّز اعتبارات الواحدية فيه أتمّ ، كان ما قيل من الوجود المفاض عليها ظهر مجملا وحدانيّا ، وحيث كان انتساب حقيقة اللّوح المحفوظ إلى التعيّن الثاني أظهر كان ما وصل من الوجود بواسطة القلم إليها بحكم أمر « اكتب علمي في خلقي إلى يوم القيامة » « 1 » ظهر مفصّلا في صنفين : صنف تفصيله بدأ بصور الكلم الفعلية ؛ كالصور الروحانية التي للأرواح كلّها والملائكة أجمع ، بل روحانية كل شيء كان ما كان ، وصنف ظهر بصور الكلم القولية ، كالكتب والصحف الإلهيّة المنتقشة فيه جملة دفعة واحدة ، المنزلة متعاقبة على الأنبياء والرّسل مفصّلة ، هي على الحقيقة بيان لأحوالهم وأمورهم وموازين أحكامهم وآثارهم خلقا وقولا وفعلا ، يفهم من يفهم منها على قدر قابليّته . ثم إن القلم الأعلى المذكور له ثلاث وجوه معنوية كليّة ، أحدها : أخذه الوجود والعلم مجملا بلا واسطة وإدراكه وضبطه ما يصل إليه من حضرة غيب موجده ، وباعتبار هذا الوجه يسمّى بالعقل الأول ، ووجهه الثاني : تفصيل ما يأخذ مجملا في اللوح المحفوظ بحكم : أكتب علمي في خلقي أو ما هو كائن ، ويسمى لهذا الوجه بالقلم الأعلى ، وهذا الوجه منه هي نفس محمّدية مشار إليها بقوله : « والذي نفس محمّد بيده » « 2 » . ووجهه الثالث : كونه حاملا حكم التجلّي الأول ومنسوبا إلى مظهريّته في نفسه ، وبهذا الاعتبار هو حقيقة الروح الأعظم المحمدي ونوره صلى اللّه عليه وسلم باعتبار . وأما اللّوح المحفوظ ، فله ستّ وجوه معنوية كليّة ، أحدها : كونه هيئة اجتماعية من شعاع النور المفاض المضاف ، ومن أحكام الماهية المتعلقة تلك الأحكام بعالم الأرواح متضمّنة تلك الإلهية صنفي الكلم الفعلية والقولية المذكورة

--> ( 1 ) يشير إلى الحديث الموقوف على ابن عباس ولفظه : « خلق اللّه عزّ وجلّ اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام فقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش اكتب علمي في خلقي فجرى إلى ما هو كائن إلى يوم القيامة » ، رواه أبو الشيخ ابن حبان في العظمة ، حديث رقم ( 32 ) [ 2 / 588 ] ؛ وحديث رقم ( 52 ) [ 2 / 621 ] . ( 2 ) رواه البخاري في صحيحه في أبواب عدّة منها : باب هل يقول إني صائم . . . ، حديث رقم ( 1805 ) [ 2 / 673 ] ؛ ومسلم في صحيحه في أبواب عدّة منها : باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر . . . ، حديث رقم ( 115 ) [ 1 / 108 ] ؛ ورواه غيرهما .