محمد بن أحمد الفرغاني
66
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
وانتشائها منها ، كما قدّمنا تقرير ذلك ، فكل من كانت حقيقته الإنسانية منتشئة من حقيقة إلهيّة أصلية أو فرعية إلى ما لا يتناهى من صور الفرعية كان الوجود المضاف إليه الظاهر في المراتب الكونية روحا ومثالا وحسّا متعيّنا من حضرة اسم متعيّن بتلك الحقيقة الإلهيّة التي انتشأت منها حقيقة الإنسانية ، فكان ذلك الاسم الذي تعيّن منه وجوده أولا حتى ظهر به في عالم الأرواح ، ولا يزال يمده بالوجود متنازلا إلى أن ظهر وتشخص بصورة إنسان متشخّص محسوس على الحقيقة ربه المتولّي لتربيته وإصلاح أموره وأحواله ، وهو - أعني ذلك الاسم - مليكه وسيّده والقريب اللازم له وممدّه بالوجود مع الآنات بالخلق الجديد دائما ، ويكون مرجعه ومنتهاه غاية الأمر وتجلّياته بحسب حالاته في هذه النشأة الدنيوية ورؤيته في الآخرة مختصّة بذلك الاسم وبواسطته ، إلّا أن ههنا دقيقة لا غنى عن الإلماع بها ، وهي أن الربوبية لها حكمان : حكم عام وحكم خاص ، فالعام مثل أن اسم اللّه لما كان تعلّقه عامّا شاملا لجميع العوالم والمراتب وأهليها من جهتي الحقيقة القابلة والوجود الظاهر فيها كانت الربوبية المضافة إليه شاملة ؛ كما قال تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) [ الفاتحة : الآية 2 ] و إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ [ الأعراف : الآية 54 ] ، وكذلك الاسم الرحمن حيث كان عام التعلق من جهة الوجود فحسب كانت الربوبية المضافة إليه أيضا عامّة ؛ كما قال عزّ من قائل : وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ [ طه : الآية 90 ] ، وكل تابع يكون ربّ متبوعه ربه بالحكم العام لا الخاص . وأما الحكم الخاص الذي للربوبية هو ما ذكرنا أن كل ما تعيّن وجوده أولا من حضرة اسم كان ذلك الاسم ربّه الخاص ، ولهذا لم ترد في الكتاب والسنّة الرؤية إلا إلى ربّ مضاف ؛ كما قال : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة : الآيتان 22 ، 23 ] ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « سترون ربكم » « 1 » وأمثال ذلك ، فلا جرم كان مشرع وجود الكمّل من الأنبياء والرسل والأولياء من بحر التجلّي الثاني من حيث عين البرزخية الثانية المتضمّنة للأصول المشتمل حقيقة كل واحد منها على حقائق الكل ، ولكن مع أثر خفي عن حكم تميّزه واختصاصه فيها ، فيكون التجلّي الثاني من حيث ذلك الأثر الخفي الاختصاصي رب ذلك
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه في أبواب عدّة منها : باب فضل صلاة العصر ، حديث رقم ( 529 ) [ 1 / 203 ] ؛ ومسلم في صحيحه ، باب فضل صلاتي الصبح والعصر . . . ، حديث رقم ( 633 ) [ 1 / 439 ] ؛ ورواه غيرهما .