محمد بن أحمد الفرغاني
67
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
الكامل ، ومن قارب الكمّل قابلية واستعدادا وحيطة وكلية وذوقا وشهودا من الأنبياء والرسل والأولياء يكون منبع الوجود المضاف إليه من عين هذه الأصول ، لكن حيث إحكام كثرتها وتميّزها واختصاصها بأثر وحكم مخصوص ، ولكن مع أثر خفي من حكم الاشتمال لا حقيقته على عكس حال الكمال ، فيكون ذلك الاسم من حيث ذلك التميّز والاختصاص ربّه . وأمّا من دون هذه الطبقة يكون مورد وجودهم من فروع الأبحر هذه الأصول ، أو من أنهر فروع الفروع ، أو من جداول تلك الأنهر ، أو من السواقي ، أو من الحياض ، أو من الجرار ، أو من الكيزان « 1 » إلى قطرات غير متناهية ، فبحسب الاستعداد يكون تعيّنهم أولا ومرجعهم آخرا . وأما نبيّنا محمد صلى اللّه عليه وسلم فله المنهل الأعلى ، وهو التجلّي الأول الذي هو نوره أولا ، وربّه ثانيا ، وهو أصل جميع الأسماء والتعيّنات العلمية والوجودية ومنشؤها ومبدؤها ومرجعها ومنتهاها ؛ كما قال عزّ من قائل مخاطبا له صلى اللّه عليه وسلم : وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ( 42 ) [ النّجم : الآية 42 ] ، إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى ( 8 ) [ العلق : الآية 8 ] ، أي : منتهى الأمر ورجوعه كلّه إلى التجلّي الأول الذي هو نورك أولا وربك ثانيا ، وإلى نحو هذا المعنى إشارة في قوله عزّ وجلّ : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً ( 109 ) [ الكهف : الآية 109 ] ، فإن ربّه الذي لا يتعقّل نفاد كلماته إنما هو التجلّي الأول الذي هو مسمّى هو ومفهومه وباطن الاسم اللّه الذي هو منتهى جميع التعيّنات الأسمائية والصفاتية الإلهيّة والكونية في رجوعها ضرورة إليه ؛ لقوله عزّ وجلّ : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : الآية 123 ] . وكلماته إنما هي الأسماء الذاتية المسمّاة بمفاتيح الغيب ومفهومات ألفاظ أسماء الضمائر ، وهذه المفاتيح هي أصول الأسماء السبعة الأئمّة وحقيقة البحر الذي تنفذ دون نفادها هذه الكلمات وباطنها إنما هي بحر التجلّي الثاني المنتشئة منها الأبحر السبعة المنتشئة لأنهر وجداول لا تتناهى تعيّناتها التي هي كلماتها متنازلا وإما عارجا إلى أصلها ، فالقطرات تنتهي إلى الكيزان ، وهي إلى الجرار ، وهي إلى الحياض ، وهي إلى السواقي ، وهي إلى الجداول ، وهي إلى الأبحر ،
--> ( 1 ) الكيزان : جمع كوز من الأواني .