محمد بن أحمد الفرغاني

44

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

الكونية الموجودة البسيطة في ذاتها ، فذلك يسمى مرتبة الأرواح ، أو مظهرا ومجلى يظهر فيه ما يظهر للأشياء الموجودة المركّبة ، فتلك الأشياء الموجودة المركبة إما أن تكون لطيفة بحيث لا يقبل التجزئة والتبعيض والخرق والالتئام ، فمجلاها ومحل ظهورها ومحل الظهور لها يسمّى مرتبة المثال . وإمّا أن تكون الموجودات المركّبة كثيفة بالنسبة إلى تلك اللطائف أو على الحقيقة بحيث يقبل التجزئة والتبعيض والخرق والالتئام ، فمجلاها ومحل صفة ظهورها وظهور ما يظهر لها فيه يسمّى مرتبة الحسّ ، وعالم الشهادة ، وعالم الأجسام والإنسان الحقيقي الكامل والأكمل بحكم المظهرية للبرزخية الثانية والأولى جامع للجميع ، وقد انحصرت أقسام المراتب الكلية بعون اللّه تعالى . فصل ثم اعلم أن حقائق الأسماء الإلهيّة القائمة بالذات المقدّسة المتعالية عن التغيّر والتبدّل ليست أعيان هذه الألفاظ المركّبة من الحروف المفردة المتغيّرة والمتبدّلة والمختلفة باختلاف اللغات وبتبدّل تراكيبها وتغيّرها ، وإنما هذه الألفاظ هي أسماء تلك الأسماء والدلالات عليها ومعانيها ، وتلك الحقائق القائمة بالذات مدلولاتها ومعانيها ، فإن حقيقة اسم اللّه إنما هو تجلّي الذات وتعيّنها من حيث إنه واحد جامع لجميع التجلّيات والتعيّنات قائم بالذات ، ولفظه كلمة عربية معناها عين معنى كلمة « خداي » بالفارسية ، وكلمة « تنكري » بالتركية متغيّرة متبدّلة ومختلفة ومتحوّلة وحقيقتها تجلّ عن التغيّر والتبدّل ، فتكون هي أسماء الأسماء ، لا حقائقها . وإذا عرفت هذا ، فنقول : أسماء اللّه تعالى حقيقة نوعان : سلبيّة وثبوتية ، وجميعها منحصرة في ثلاث درجات كلية ، أولها : أسماء الذات ، وثانيها : أسماء الصفات ، وثالثها : أسماء الأفعال . ووجه الحصر أن الاسم حقيقة إنما هو الذات ، أو قل إنما هو الوجود ، ولكن لا من حيث إطلاقه ، بل من حيث اعتبار وتعيّن ما ، فإن كان ذلك الاعتبار والتعيّن عين الذات كالتعين الأول والوحدة الحقيقية والغنى المطلق والرحمة الذاتية السابقة والغالبة ونحو ذلك ؛ فالذات من حيث ذلك التعيّن والاعتبار اسم من أسماء الذات ؛ كحقيقة اسم اللّه والرحمن والرحيم والغني عن العالمين ومفاتح الغيب والواحد والأحد الذاتيين ، وإن لم يكن التعيّن والاعتبار