محمد بن أحمد الفرغاني

43

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

فأمّا الكلّيات والمتبوعات ، فما برحت محصورة في مبدأ الحضرة العلمية والمرتبة الثانية ، وأمّا لوازمها وصفاتها وخواصّها وأعراضها ، فهي ثابتة في وسطها ومنتهاها ، فمنها ما يلازمها في تلك الحضرة العلمية أيضا ، كقابليتها الأصلية الغير المجعولة وهيئتها المعنوية ، ومنها ما هو تحت حيطة عالم الأرواح كحياتها وعلمها وهيئتها الروحانية ، وكظهورها بالنسبة إلى عالم الأرواح مندرجا في جنسها ونوعها أو متميّزة بشخصيّتها فيه ، وكبطونها بالنسبة إلى عالم المثال والحس ؛ كإضافة الوجود إليها في عالم الأرواح . ومنها ما هي تحت حيطة عالم المثال ، كهيئتها المثالية وظهورها فيه وعلمها المضاف إلى تلك الهيئة وأشباه ذلك . ومنها ما هي تحت عالم الحسّ كهيئتها الحسّية وظهورها وإضافة الوجود إليها فيه ، وكقابليتها الوجودية للعلوم والأعمال ، وكإضافة المقولات العشر إليها نحو الكيف والكمّ ونحو ذلك . وهذه المراتب الكلّية منحصرة في خمس مراتب : اثنتان منها منسوبتان إلى الحق ، وثلاث منسوبة إلى الكون ، وسادسها جامع بينها ؛ وذلك لأن هذه المراتب لما كانت مظاهر ومجالي فلا تخلو إمّا أن يكون مجلى ومظهرا يظهر فيه ما يظهر للحق تعالى وحده لا للأشياء الكونية ، أو يكون مظهرا يظهر فيه ما يظهر للحق وللأشياء الكونية أيضا ، فالأول سمّي مرتبة الغيب لغيبة كل شيء كوني فيها عن نفسه وعن مثله ، فلا ظهور لشيء فيها إلّا للحق تعالى ، وانتفاء الظهور للأشياء يكون بأحد وجهين : أحدهما : بانتفاء أعيانها بالكلية حيث كان اللّه ولا شيء معه ، فينتفي منه الظهور لها علما ووجدانا بانتفاء أعيانها بالكلية ، وذلك المجلى هو التعين الأول والمرتبة الأولى من الغيب . والوجه الثاني : بانتفاء صفة الظهور للأشياء عن أعيان الأشياء مع تحقّقها وتميّزها وثبوتها في العلم الأزلي وظهورها للعالم بها ، لا لأنفسها وأمثالها ؛ كما هو الأمر في الصور الثابتة في أذهاننا سواء ، وهذا المجلى والمظهر هو التعيّن الثاني وعالم المعاني والمرتبة الثانية ويعمّها اسم الغيب لما ذكرنا . وأمّا ما يكون مجلى يظهر فيه ما يظهر للأشياء الكونية أيضا علما ووجدانا ، فهو ثلاثة أقسام ، فإنه إما أن يكون مظهرا أو مجلى يظهر فيه ما يظهر للأشياء