محمد بن أحمد الفرغاني
42
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
كل حقيقة قابلة به يكون قيام قابليّته وتوسّطه بين الوجوب والامتناع الحقيقي فيه ومنتشئة منه أجناسا ، ثم أنواعا ، ثم أشخاصا ثابتة بتميّزاتها كلّها أقربها وقريبها في الحضرة العمائية ، وبعيدها وأبعدها في الحضرة الإمكانية ، فتدبّر هذا الفصل تفز بالكنز الأكبر والكبريت الأحمر إن شاء اللّه تعالى . فصل ثم اعلم أن المراتب الكلّية الآتي بيان حصرها المسمّاة عوالم وحضرات ، التي هي كالمحال والمجالي والمظاهر لسائر الحقائق المنسوبة إلى الحقّ أو إلى الكون المحيطة بها والمحتوية عليها ، إنما هي حقائق معنوية ، كالمحاط أيضا بها مرتسمة جميعها أجناسا وأصولا وأنواعا وفروعا وأشخاصا في هذه المرتبة الثانية ، وفيها تعيّنت من حيث المراتب التي سترى إحصاء أسمائها وحصرها عن قريب إن شاء اللّه تعالى . وهذه الحقائق المحتوية عليها منحصرة في ثلاثة أقسام : [ القسم الأول ] قسم منسوب إلى الحق مختصّ به ، وذلك كالألوهية والرحمة الذاتية الشاملة كل شيء ، وهي الوجود باعتبار الفياضية ، وكالوجوب الذاتي والقيوميّة التي هي القيام بنفسه والإقامة لغيره والغنى الذاتي وغير ذلك . القسم الثاني : منسوب إلى الكون ؛ كالفقر والعدمية الذاتية والذلّة والإمكان والكثرة التابعة جميعها لحقائق متبوعة ؛ كحقيقة الروح والملك والفلك والأركان والسماء والأرض والمولدات . والقسم الثالث : ما ينسب إلى الحقّ بالأصالة ، وإلى الكون بتبعية إضافة الوجود إليه ، وذلك مثل العلم والإرادة ونحوهما القابلة للإضافة إلى الحقّ فتكون قديمة ، وإلى الكون فتكون حادثة ، ثم إن هذه الحقائق منها ما هي كلية كالحقيقة الإنسانية والعلم مثلا ، ومنها ما هي جزئية كحقيقة زيد وعلمه من الجزئيات متبوعة كحقيقة زيد مثلا ، ومنها ما هي لوازم وصفات وخواص وأعراض تابعة لهذه الحقيقة المتبوعة كحياتها ونطقها وقابليتها وإمكانها وعلمها وجهلها وهيئتها المعنوية أو الروحانية أو المثالية أو الحسّية وظهورها وبطونها ، وإضافة الوجود إليها ونحو ذلك .