محمد بن أحمد الفرغاني

26

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

الأول الذي هو مثل النفس المتعين في التعين الأول المنبعث من باطن الغيب المطلق ، والسمع هو قبول ذلك المعنى ظاهرا أو باطنا ، والبصر هو قبول ظهوره بما هو ظاهر من القابل منه والقوة تمكن مما يطلب ظهوره ، وهذا المعنى هو الذي أراد به الشيخ ابن الفارض رحمة اللّه عليه في قصيدته بقوله : فلفظ وكلي بي لسان محدث * ولحظ وكلي فيّ عين لعبرة وسمع وكلي بالنّدا أسمع النداء * وكلّي فيّ ردّ الرّدى يد قوة معاني صفات ما ورى اللّبس أثبتت * وأسماء ذات ما روى الحسّ بثّت يعني : أثبتت تلك المعاني في الرتبة الأولى التي هي وراء رتبة لبسها من كونها شؤونا ذاتية بأحكام الكثرة والتميّز حتى صارت عين تلك المعاني بحكم أحكام اللّبس بأحكام الكثرة والتميّز صفات متغايرة في الرتبة الثانية بحسبها وحكمها ؛ كصفة السمع والبصر والقدرة وصفة الكلام ونحو ذلك ، بعد أن لم تكن في تلك الرتبة الأولى صفات ، بل اعتبارات غير متميّزة ولا متغايرة فيها بحسبها وحكمها ، وهذا اللفظ الذي كل الذات لسان محدث نفسه به ، واللحظ الذي كلّه عين لا حظة به ، ليعبر من الباطن إلى الظاهر ، والسمع الذي كل الذات سامع به حديثه ذلك ، واليد التي كل الذات فاعل بها في ردّها اللاظهور المكنى عنه بالردى بملابسة الخفاء والبطون إلى الظهور والوجود ، كل ذلك معاني صفة السمع والبصر والقدرة والكلام الثابتة متميّزة في الرتبة الثانية الألوهية متغايرة ، وهذه المعاني التي هي باطن هذه الصفات كانت غير متغايرة في الرتبة الأولى التي هي سابع أبطنها بالنسبة إلى غاية ظهورها ، فإن غاية ظهورها أن تظهر بصورة اللفظ الجاري على لسان الإنسان ونظره بعينه ، وسماعه بأذنه وعمله بيده المضافة كلّها إلى صورة بدنه . وباطنها الأول : أن تكون هذه الصفات مضافة إلى نفسه ، لكن من حيث لم تتميّز عن نفوس سائر الحيوانات إلا بظاهر العقل المعيشي المقيّد بأمور دنيوية ، بحيث يكون نطقه وسماعه ونظره وفعله مقصودة على ما يتعلق بأمر الدنيا غير متعدّ إلى أمر أخروي هو المقصد منه ؛ كما أخبر اللّه تعالى عن هذا الوصف في قوله عزّ وجلّ : يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ( 7 ) [ الرّوم : الآية 7 ] .